فهرس الكتاب
وما ذكروه لا يتم الاستدلال به، فإن القائل: ما جاءني رجل، يفيد كلامه العموم لو اقتصر عليه، فإذا قال: بل أكثر أو بل رجلان، فهو قرينة على أنَّه لم يرد نَفْيَ ماهية الرجل، بل نَفْيَ واحدٍ من الجنس، فيكون ذلك قرينة صارفة عن إرادة العموم، كما لو قال: نجح الطلاب إلا خالدًا [ (460) ] .
قوله: (وأقل الجمع ثلاثة...) ذكر القولين في أقل الجمع، والمراد به: جمع السلامة، وجمع التكسير [ (461) ] :
الأول: أن أقل الجمع ثلاثة، وهذا مذهب الجمهور. وذلك لإجماع أهل اللغة على تفريق العرب بين الجمع والتثنية في أن كلًا منهما له لفظ يختص به، وعدم نعت أحدهما وتأكيده بالآخر، فلا يقال: رجال اثنان، أو رجلان ثلاثة، أو الرجال كلاهما، أو الرجلان كلهم.
وهذا يدل على أن الاثنين ليس جمعًا، وكذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» [ (462) ] . ففرَّق بين الاثنين والثلاثة.
قوله: (وحكي عن أصحاب مالك وابن داود [(463) ] وبعض النحاة [ (464) ] . والشافعية اثنان) . هذا القول الثاني: وهو أن أقل الجمع اثنان، واستدلوا بما يلي:
1 ـ قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ} [النساء: 11] وهي تُحجب بالاثنين من الثلث إلى السدس، على قول الجمهور؛ فدلَّ على أن الاثنين جمع.
2 ـ قوله تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا} ... [الحج: 19] ، وقوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} [الحجرات: 9] . فلما أعاد ضمير الجمع وهو الواو على ما قبله دلَّ على أن الاثنين جمع.
3 ـ حديث: «الاثنان فما فوقهما جماعة» [ (465) ] .
والقول الأول: هو الراجح، لقوة مأخذه. قال الشوكاني: (وهذا هو القول الحق الذي عليه أهل اللغة والشرع، وهو الأسبق إلى الفهم عند إطلاق الجمع. والسبق دليل الحقيقة، ولم يتمسك من خالفه بشيء يصلح للاستدلال به) اهـ [ (466) ] .
أمَّا الإجابة عن أدلتهم: