فهرس الكتاب
قوله: (ومثل: «كلوا واشربوا» عند القاضي وبعض الحنفية وابن داود؛ لغلبة المذكر) هذا معطوف على ما قبله؛ لأن محل النزاع هو جمع المذكر السالم وضمير الجمع المتصل بالفعل، وهو واو الجماعة [ (477) ] ، كما في قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} [الأعراف: 31] فالقول الأول للقاضي، ومن وافقه أن النساء يدخلن في ذلك لاتفاق أهل اللغة على أن الذكور والإناث إذا اجتمعوا غُلِّبَ الذكور، فيقال: الرجال والنساء دخلوا، وقد عُهِد من الشارع في خطابه أنه يعم القسمين، ويدخل النساء بطريق التغليب، وهذا في الخطاب المطلق، أمَّا المقيد مثل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] فلا ريب في عدم دخولهن.
وقد دخلن في أوامر الشارع ونواهيه بلفظ: المذكر، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43] ، وقوله: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسراء: 32] ، وقوله: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] وحواء داخلة في هذا الخطاب إجماعًا.
قوله: (واختار أبو الخطاب والأكثرون: عدم دخولهن) هذا القول الثاني في المسألة، ودليلهم قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] ، وقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا} [النور: 30] ، ثم قال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ} [النور: 31] ؛ وعَطْفُهنَّ عليهم يدل على عدم دخولهن.
والقول الأول هو المختار؛ لقوة دليله، ويؤيده حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «سبق المفرِّدون» . قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» [ (478) ] . فلولا دخولهن في لفظ «المفردون» وهو جمع مذكر سالم، لم يحسن التقسيم بعد ذلك [ (479) ] .