فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 457

والتمثيل بآية البقرة لا يتمشى مع القول بأن الجموع المنكرة لا عموم لها، وقوله تعالى: {وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} [البقرة: 234] جمع منكر، فلا يعم [ (499) ] ، كما تقدم، والله أعلم.

ومن أمثلة ذلك ـ أيضًا ـ: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من بدل دينه فاقتلوه» [ (500) ] مع نهيه صلّى الله عليه وسلّم عن قتل النساء [ (501) ] . فالأول عام في الرجال والنساء، خاص بأهل الردة، والثاني عام في الحربيات والمرتدات، خاص بالنساء، فالتعارض بين عموم الأول وخصوص الثاني، بمعنى أن المرتدة هل تقتل عملًا بعموم الأول، أو لا تقتل عملًا بالثاني؟

والجمهور على العمل بالحديث الأول، فيقتل كل مرتد ومرتدة، وحملوا حديث النهي على الكافرة الأصلية ما دامت لم تباشر القتال، بدليل سياق قصة النهي، ولحديث معاذ رضي الله عنه وفيه: «وأيُّما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن عادت وإلا فاضرب عنقها» [ (502) ] .

قوله: (أو تأويل المحتمل) كحديث أسامة رضي الله عنه: «إنَّما الربا في النسيئة» [ (503) ] ، فهذا كالصريح في نفي ربا الفضل، وورد حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر وبالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» [ (504) ] ، وفيه إثبات ربا الفضل، فوقع التعارض في الظاهر، فيجمع بينهما بتأويل حديث أسامة وحمله على الجنسين كَبُرٍّ بشعير، فلا يجوز فيه النَّسَأ. وقيل: يحمل حديث أسامة على الربا الأغلظ الأشد، كما يقال: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وقيل: هو منسوخ؛ لكن هذا ضعيف؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، ثم إن الاستدلال بحديث أسامة على جواز ربا الفضل إنَّما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأنه منطوق [ (505) ] .

قوله: (فهو أولى من إلغائهما) أي: إن الجمع أولى من الإلغاء؛ لأن الجمع عمل بكلا الدليلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت