فهرس الكتاب
قوله: (وإلا فأحدهما ناسخ إن علم تأخره) هذا الطريق الثاني للخروج من التعارض، وهو أنه إذا لم يمكن الجمع فإنه يصار إلى النسخ، ومن شروط النسخ: عدم إمكان الجمع، والعلم بتأخر الناسخ. فإذا عُلِمَ تأخر أحد النصين فهو ناسخ للآخر فيعمل به، ومثاله قوله تعالى في الصيام: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] فهذه الآية تفيد التخيير بين الإطعام والصيام مع ترجيح الصيام.
وقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] يفيد تعيين الصيام أداء في حق المقيم الصحيح، وهي متأخرة عن الأولى فتكون ناسخة لها؛ كما دل على ذلك حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: (لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها) [ (506) ] .
قوله: (وإلا تساقطا) أي: إذا لم يمكن الجمع ولا النسخ تساقطا، فلا يعمل بأحدهما دون الآخر؛ لئلا يلزم عليه الترجيح بلا مرجح.
لكن كلام المصنف مبني على ما إذا لم يمكن الترجيح، فإذا أمكن الترجيح بمرجحات خارجية عمل بها، وإلا تساقطا، ولا مانع من ذلك، إذ قد يخفى علينا دليل الترجيح لطول المدة، واندراس القرائن؛ لحِكَمٍ يعلمها الله تعالى.
واعلم أنه لا يمكن التعارض بين الأدلة في نفس الأمر على وجه لا يمكن فيه الجمع، ولا النسخ، ولا الترجيح؛ لأن الأدلة لا تتناقض، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قد بلّغ وبيّن، ولكن قد يقع ذلك بحسب نظر المجتهد، إمَّا لنقص في علمه، أو خلل في فهمه. والله أعلم [ (507) ] .
و الخاص: يقابل العام، وهو ما دلّ على شيء بعينه، ولهما طرفان وواسطة، فعام مطلق، وهو ما لا أَعَمَّ منه، كالمعلوم، وخاص مطلق، وهو ما لا أَخَصَّ منه، كزيد، وما بينهما فعام بالنسبة إلى ما تحته، خاص بالنسبة إلى ما فوقه كالموجود.