فهرس الكتاب
وقال الجمهور: إن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة مجزئة، وهو رواية عن أحمد؛ لأن الفعل الواحد له وجهان متغايران، وهو مطلوب من أحدهما منهي عنه من الآخر، فالصلاة في الدار المغصوبة من حيث إنها صلاة مطلوبة، ومن حيث إنها غصب فالغصب حرام، والصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة، وهذا القول هو الراجح؛ لقوة مأخذه [ (81) ] .
قوله: (وعند من صححها النهي إمَّا أن يرجع إلى ذات المنهي عنه) أي: ومن صحح الصلاة في الدار المغصوبة قال: إن النهي ثلاثة أقسام: نهي يعود إلى ذات المنهي عنه، ونهي يعود إلى صفته، ونهي يعود إلى أمر خارج.
قوله: (النهي إمَّا أن يرجع إلى ذات المنهي عنه فيضاد وجوبه) هذا القسم الأول. ومثاله: قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى} ... [الإسراء: 32] ، وكنهي النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم عن صوم يوم الفطر ويوم النحر [ (82) ] . ومثاله في العقود: نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الحصاة [ (83) ] ، وهو جعل إصابة الحصاة لشيء بيعًا له، فهذا راجع إلى نفس العقد، أي: البيع على هذه الصورة.
وقوله: (فيضاد وجوبه) أي: إن إيجاب مثل هذه المنهيات مع قيام النهي عنها متضاد قطعًا؛ لأنه يقتضي أنه مطلوب الوجود والعدم من جهة واحدة، وهذا تناقض.
قوله: (أو إلى صفته، كالصلاة في السُّكْرِ والحيض) هذا القسم الثاني، وهو أن يكون الفعل مطلوبًا، والنهي يعود إلى صفة من صفاته، فالصلاة مطلوبة، ومنهي عنها لوصف السكر القائم بالمصلي. قال تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [البقرة: 43] ، وقال تعالى: {لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] ، وقال صلّى الله عليه وسلّم لفاطمة بنت أبي حبيش: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» [ (84) ] .