فهرس الكتاب
قوله: (فسماه أبو حنيفة فاسدًا) أي: إن أبا حنيفة سمّى المنهي عنه لوصفه فاسدًا؛ إعمالًا لدليلي الجواز والمنع، فيقول: الصلاة في نفسها مشروعة بدليل {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [الأنعام: 72] ، وإيقاعها في حال السُّكْر أو الحيض أو في الأماكن أو الأوقات المنهي عنها هو الممنوع، فمطلوبية الصلاة من حيث ذاتها دليل الجواز، وتعلق النهي بها من جهة أوصافها دليل المنع، والبيع باعتبار ذاته مشروع، وإنَّما الممنوع إيقاعه على صفة الربا، أو مقترنًا بشرط فاسد، وإعمال الدليلين أولى من ترك أحدهما، وأطلق عليه فاسدًا؛ لأن الفاسد عنده ما شرع بأصله ومنع بوصفه، كالصلاة في حال السكر، والباطل ما منع بأصله ووصفه؛ كبيع الميتة والدم ونحوها [ (90) ] .
وعندنا وعند الشافعي أنه من القسم الأول، لأن المنهي عنه نفس هذه الصلاة، ولذلك بطلت، أو لا إلى واحد منهما، كلبس الحرير، فإن المصلي فيه جامع بين القُربة والمكروه بالجهتين فتصح.
قوله: (وعندنا وعند الشافعي أنه من القسم الأول) وهو المنهي عنه لذاته فيكون باطلًا؛ لأن المنهي عنه الصلاةُ الواقعة في حال السُّكْر أو الحيض، كما أن المنهي عنه الزنا الواقع في غير محل الحرث شرعًا، والبيع المشتمل على الزيادة.
قوله: (أو لا إلى واحد منهما كلبس الحرير) هذا القسم الثالث من أقسام النهي، وهو أن يعود إلى أمر خارج، فلا يعود إلى ذات المنهي عنه ولا إلى صفته، فلا يضاد الوجوب، كقوله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} مع قوله: (لا تلبس الحرير) ولم يتعرض في النهي للصلاة كما في السكر، فإذا صلى في ثوب حرير أتى بالمطلوب والمنهي عنه جميعًا.
ومثاله في العقود: النهي عن الغش، فالبيع صحيح، وللمشتري الخيار، وعلى البائع إثم الغش.