فهرس الكتاب
قوله: (وسبب) هذا النوع الثاني مما يظهر به الحكم، أي: من العَلَمِ الذي نصبه الشارع معرِّفًا للحكم، والسبب لغةً: ما تُوصِّل به إلى الغرض المقصود. قال الجوهري: (والسبب الحَبْل. والسبب أيضًا كل شيء يُتوصل به إلى غيره) [ (123) ] .
وعند الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته، أي: إن السبب هو الأمر الذي جعل الشارع وجوده علامة على وجود الحكم، وانتفاءه علامة على انتفائه.
فزوال الشمس ـ مثلًا ـ سبب لوجوب صلاة الظهر، يلزم من وجوده وجود صلاة الظهر، ومن عدمه عدمها.
فالقيد الأول: لإخراج الشرط؛ لأنه لا يلزم من وجوده الوجود، كوجود الطهارة لا يلزم منه وجود الصلاة.
والقيد الثاني: لإخراج المانع؛ لأنه لا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم، كالدَّين ـ مثلًا ـ فإنه مانع من الزكاة، فإذا لم يكن عليه دين فلا يلزم أن تجب عليه الزكاةـ لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا أن لا تجب عليه الزكاة لاحتمال أن يكون عنده نصاب قد حال عليه الحول فتلزمه الزكاة.
وقولنا: (لذاته) احتراز مما لو قارن السبب فقدان الشرط أو وجود المانع، كالنصاب قبل تمام الحول أو مع وجود الدين، فإنه لا يلزم من وجود النصاب وجود الزكاة، لكن لا لذته بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط أو وجود المانع.
قوله: (وقد استعمله الفقهاء) [ (124) ] أي: استعاروا لفظ (السبب) من الوضع اللغوي إلى التصرف الشرعي لمعانٍ أربعة:
قوله: (فيما يقابل المباشرة، كالحَفْر مع التردية) هذا المعنى الأول، وهو أنهم استعملوا السبب في مقابل المباشرة، فلو حفر شخص بئرًا ودفع آخر إنسانًا فتردى فيها فهلك، فالأول: وهو الحافر متسبب، والثاني: مباشر، فالحفر سبب، والتردية علة؛ لأن الهلاك بها لا بالحفر، ولكن وقع ذلك عند وجود البئر، فسموا الحافر متسببًا، والدافع مباشرًا، وإذا اجتمع السبب والمباشرة غلبت المباشرة، ووجب الضمان على المباشر، وانقطع حكم المتسبب [ (125) ] .