فهرس الكتاب
والأظهر في هذه المسألة هو التفصيل. وهو أن المجاز واقع في القرآن ما عدا آيات الصفات، وهو قول الشافعي وإن لم يسمه مجازًا [ (163) ] ، وقول الخطيب البغدادي [ (164) ] ، ولعل ذلك هو مراد من قال من أهل السنّة بوقوع المجاز في القرآن، ذلك أنه لا يلزم من إثبات المجاز في القرآن دخوله في آيات الصفات، إذ يمكن إثبات صفات الله تعالى على حقيقتها ووجهها اللائق بالله تعالى، ونفي المجاز عنها، وإثبات المجاز فيما عداها [ (165) ] . كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82] وقوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ} [الإسراء: 24] وغير ذلك؛ لأن إثبات المجاز لا بدَّ له من قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقي إلى معناه المجازي، وهذه القرينة عند أهل السنّة منتفية عن آيات الصفات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال أبو عمر ـ ابن عبد البر ـ: أهل السنّة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنّة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يُكَيِّفون شيئًا، ولا يجدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع: الجهمية والمعتزلة والخوارج فكلهم ينكرها؛ ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة...) [ (166) ] .
والذي يظهر أن منكري المجاز طائفتان: فطائفة ترى أنه أسلوب من أساليب العرب، ففي قوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} بعضهم يقول: مجاز. فأطلق المحل وأريد الحالّ، وبعضهم يقول: إنه حذف المضاف (أهل) وأقيم المضاف إليه مقامه، وهذا أسلوب من أساليب اللغة معروف [ (167) ] ، والخلاف مع هؤلاء لفظي. والطائفة الثانية: تنكر حقيقة المجاز، وترى أنه لم يرد في القرآن لفظ مستعمل في غير موضوعه الأصلي، والخلاف مع هؤلاء حقيقي [ (168) ] ، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، كما تقدم.