فهرس الكتاب
قوله: (والصحيح: أن المتشابه: ما يجب الإيمان به، ويحرم تأويله) المراد بالتأويل هنا: صرف اللفظ عن المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقتضيه، وهو قد يكون صحيحًا مقبولًا إن دلّ عليه دليل صحيح، وقد يكون فاسدًا مردودًا إن لم يكن كذلك، فهو على الأول من باب التأويل بمعنى التفسير، وعلى الثاني من باب تحريف الكلام عن مواضعه.
مثال الأول: قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] فهذا ماضٍ، ولكنه يصرف إلى المستقبل؛ لأنه لم يأت بعدُ، بدليل {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} وبدليل: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} ... [النحل: 98] أي: أردت أن تقرأ، وإنما جاء لفظ الماضي تنبيهًا على تحقق وقوعه.
ومثال الثاني: قوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} [طه: 5] فظاهره العلو اللائق بالله، وهذا هو المراد، فصرفه إلى معنى الاستيلاء باطل؛ لأنه ليس عليه دليل صحيح، بل هو من تحريف الكلام عن مواضعه. وأمَّا إن أريد بالتأويل التفسير فهو صحيح بالنسبة إلى معنى الصفة، كمعرفة معنى الاستواء، لا الكيفية، كما سيأتي إن شاء الله.
قوله: (كآيات الصفات) أي: إن آيات الصفات كقوله تعالى: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى *} من المتشابه الذي يجب الإيمان به ويحرم تأويله، وهذا فيه نظر، فإن آيات الصفات لا يطلق عليها اسم المتشابه بهذا المعنى؛ لأن معناها معلوم في اللغة العربية وليس متشابهًا، وأمَّا كيفية اتصافه جلّ وعلا بها فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه، وهي من المتشابه بهذا الاعتبار، فالاستواء إذا عُدّي بعلى فمعناه في اللغة: العلو والارتفاع، وأما كيفية استوائه سبحانه وتعالى على عرشه فلا يعلمها إلا هو.