فهرس الكتاب
قوله: (وأمَّا الفعل فما ثبت فيه أمر الجبلة؛ كالقيام والقعود وغيرهما فلا حكم له) هذا القسم الثاني من أقسام السنّة، وهو السنّة الفعلية. وقد عُني الأصوليون بالأفعال النبوية، وأفردوا فيها مصنفات مستقلة [ (190) ] ؛ لأنها من أدلة الأحكام الشرعية، وهي أنواع:
الأول: ما ذكره المصنف وهو ما فعله النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بمقتضى الجِبِلَّة ـ بكسرتين وتثقيل اللام ـ، أي: الطبيعة والخلقة؛ كالقيام والقعود والنوم والأكل والشرب، فهذا لا حكم له في ذاته؛ لأنه ليس من باب التكليف؛ لأن التكليف فيما يمكن فعله وتركه، وهذه الأفعال ليست مشروعة لذاتها ومقصودًا بها التأسي؛ لأن كل ذي روح من البشر لا يخلو عنها، ولهذا نُسبت إلى الجبلة، إلا إذا كان الفعل له هيئة معينة، كصفة أكله وشربه ونومه ونحو ذلك، فهذا له حكم شرعي، كما دلّت عليه النصوص.
قوله: (وما ثبت خصوصه به؛ كقيام الليل فلا شركة لغيره فيه) هذا النوع الثاني من الأفعال، وهو ما فعله على وجه الخصوصية، فهذا يكون مختصًا به ولا يشاركه فيه غيره.
ومن خصائصه صلّى الله عليه وسلّم وجوب قيام الليل، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ *قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا *} ثم نسخ هذا الوجوب على أحد القولين [ (191) ] .
ومن خصائصه صلّى الله عليه وسلّم الوصال في الصوم، والزيادة على أربع في النكاح، والنكاح بلفظ الهبة، وغير ذلك مما يدل عليه القرآن والسنّة [ (192) ] .
ولا يحكم بالخصوصية إلا بدليل؛ لأن الأصل التأسي به صلّى الله عليه وسلّم؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] فيكون هذا النص معمولًا به حتى يقوم الدليل المانع، وهو ما يوجب الخصوصية.