فهرس الكتاب
قوله: (والوجوب أحوط) أي: إن المصنف رحمه الله يرجح القول بوجوبه؛ لأن الوجوب أعلى مراتب الفعل، فوجب حمله عليه احتياطًا، وهذا الترجيح قد يكون مسلَّمًا فيما ظهر فيه قصد القربة، وأمَّا ما لا يظهر فيه قصد القربة فالقول بالوجوب لا يخلو من ضعف [ (213) ] .
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن ما فعله صلّى الله عليه وسلّم وقصد به القربة فهو مندوب بالنسبة لنا؛ لأن القربة طاعة، وهي غير خارجة عن الواجب والمندوب، والقدر المشترك بينهما ترجيح الفعل على الترك. وهذه حقيقة المندوب، لكنه واجب على النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى يحصل البلاغ.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وما فعله النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم على وجه التعبد فهو عبادة يشرع التأسي به فيه، فإذا خصَّص زمانًا أو مكانًا بعبادة كان تخصيصه تلك العبادة سنة...) [ (214) ] .
ومن أمثلة ذلك: ما رواه شريح بن هانئ قال: (سألت عائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان يبدأ الرسول صلّى الله عليه وسلّم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك) [ (215) ] .
أمَّا ما لم يظهر فيه قصد القربة فالأظهر فيه الإباحة؛ لأن ما لا يظهر فيه قصد القربة متردد بين كونه عبادة أو عادة، فمفاده على أقل تقدير إباحة ذلك الفعل للأمة حيث إن النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم فعله، والإباحة تشريع.
ومثال ذلك: نزوله صلّى الله عليه وسلّم بالمحصَّب عند الخروج من منى، فقد اختلف الصحابة رضي الله عنهم في هذا النزول: هل فعله النَّبِيّ صلّى الله عليه وسلّم لأنه كان أسمح لخروجه، فيكون من الأفعال التي ليس فيها معنى القربة، أو لكونه سنة، فالنزول بالمحصَّب فيه معنى القربة؟ فعائشة رضي الله عنها تقول: (نزول الأبطح ليس بسنة، إنَّما نزله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج) [ (216) ] . وهذا هو رأي ابن عباس رضي الله عنهما [ (217) ] وغيره، وخالف في ذلك ابن عمر رضي الله عنهما فإنه كان يرى أن النزول بالأبطح سنة [ (218) ] .