فهرس الكتاب
وقال الشيخ أحمد شاكر بعد عرض الأقوال في هذه المسألة: (هذه الأقوال كلها نظرية والعبرة في الرواية بصدق الراوي والثقة بدينه وخُلقه، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرًا من أهل البدع موضعًا للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرًا منهم لا يوثق بأي شيء يرويه...) وهذا هو التحقيق في المسألة ـ إن شاء الله ـ وهو الذي يدل عليه كلام الحافظ فيما تقدم.
وقد نقل الحافظ ابن رجب في «شرح علل الترمذي» عن أبي داود قوله: (ليس في أهل الأهواء أصحُّ حديثًا من الخوارج، ثم ذكر عمران بن حطان، وأبا حسان الأعرج) [ (263) ] .
قوله: (في ظاهر كلامه) أي: ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله أن الكفر بتأويل لا يكون سببًا في ردِّ الراوي إذا لم يكن داعيًا إلى بدعته، فقد ورد عنه أنه قال: يُكتب حديث القدري إذا لم يكن داعية، وعنده: القدرية كفار.
قال أبو الخطاب: (ووجهه أن جلَّ أصحاب الحديث قبلوا أخبار الخوارج والقدرية مثل: قتادة، وعطاء بن يسار، وهشام الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة..، والمرجئة مثل: إبراهيم التيمي، وحماد بن أبي سليمان...، والشيعة مثل: الحارث الأعور، وعطية العوفي.. وأكثرهم روى عنه أحمد وغيره من أصحاب الحديث... ولأن المتحرج الذي أخطأ بتأويلٍ غيرُ تاركٍ للتحرج والتنزهِ عن الكذب، فَقَوِيَ الظن بصدقه) [ (264) ] .
والرواية الأخرى: أن البدعة المكفرة لا تقبل معها الرواية، وهذا قول الشافعي، وأكثر الفقهاء؛ لعظم الكفر، فيضعف العذر، ويَقْوَى عدم الوثوق، قال النووي: (من كفر ببدعته لم يُحتجَّ به بالاتفاق) [ (265) ] .
وهذا الإجماع محمول على غير المتأول؛ لما علم من عمل أهل الحديث وأصحاب الصحيح، ولما تقدم من خلاف الإمام أحمد، كما في إحدى الروايتين [ (266) ] .