فهرس الكتاب
قوله: (إلا ببدعة متأولًا عند أبي الخطاب والشافعي) أي: إذا كان فسقه من جهة الاعتقاد لا من جهة الجوارح فإنه يقبل خبره إذا كان متأولًا، وهو اختيار أبي الخطاب [ (272) ] ، وقول الشافعي؛ لأن السلف في زمن الصحابة والتابعين اختلفوا ووقع بينهم الفرقة وقَبِلَ بعضهم أخبار بعض، ولأنه إذا كان الفاسق متأولًا فإنه يتحرج عن الكذب؛ لأنه يظن في اعتقاده أنه على حق، فيقوى الظن بصدقه.
أمَّا من يستحل الكذب في نصرة مذهبه فترد روايته قولًا واحدًا [ (273) ] ، وقد روي عن الشافعي رحمه الله: (أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يستحلون الشهادة بالزور لنصرة مذهبهم) [ (274) ] .
قوله: (والمجهول في شرط منها لا يقبل، كمذهب الشافعي) المجهول هو من لم تعرف عينه أو صفته؛ أي: لم تعرف ذاته ولا شخصيته، أو عرفت ولكن لم يعرف عن صفته شيء كضبطه وعدالته، وهو أنواع معروفة في علم المصطلح.
ومعنى كلامه: أن من جُهِلَ إسلامه أو ضبطه أو عدالته أو بلوغه، لم تقبل روايته، وهو مذهب الشافعي ورواية عن أحمد، وحكاه الشنقيطي عن مالك والجمهور [ (275) ] .
قوله: (وعنه: إلا في العدالة، كمذهب أبي حنيفة) أي: عن الإمام أحمد رواية: أن مجهول العدالة تقبل روايته وفقًا لأبي حنيفة، فالخلاف في مجهول العدالة، أمَّا مجهول الإسلام والضبط والبلوغ فلا تقبل، قولًا واحدًا [ (276) ] .
ودليل هذه الرواية أن شرط القبول عدمُ العلم بالفسق، وهذا لم يعلم منه فسق فيقبل، وأمَّا دليل المنع فهو أنه لا فرق في الشك في العدالة وباقي الشروط فلا ينبغي التفريق، وللقياس على الشهادة، فإن شهادة مجهول العدالة لا تقبل؛ لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] ، وقوله تعالى: {مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282] ، والمجهول غير عدل ولا مرضي، فكذلك روايته.