فهرس الكتاب
آيات العتاب نوعان:
نوع لطيف لين، ونوع عنيف خشن.
المثال الأول: قوله تعالى: (( عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) ) [التوبة:43] وذلك أنه عليه السلام كان قد أذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك حين جاءوا يستأذنون ويعتذرون فقبل منهم تلك الأعذار.
المثال الثاني: قوله تعالى: (( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنْ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [الأنفال:67-69] .
وذلك أنه وقع في أسر المسلمين يوم بدر سبعون من أشراف قريش، فاستشار الرسول أصحابه فيهم؛ فمنهم من اشتد وأبى عليهم إلا السيف، ومنهم من رق لحالهم وأشار بقبول الفداء منهم، وكان صلى الله عليه وسلم مطبوعًا على الرحمة، ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فرجح بمقتضى طبعه الكريم ورحمته الواسعة رأي من أشار بقبول الفداء، ولكن ما لبث حتى نزلت الآيات الكريمة المذكورة وفيها تسجيل لخطأ ذلك الاجتهاد المحمدي، فلو كان القرآن كلامه صلى الله عليه وسلم ما سجل على نفسه ذلك الخطأ.
أمر آخر: في هذه الآيات ظاهرة عجيبة، هي الجمع بين متقابلات لا تجتمع في نفس بشر على هذا الوجه، فصدرها استنكار للفعل: (( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) ) [الأنفال:67] .