وميدان الداعية صدور الرجال وهي متباينة ومختلفة كاختلاف صورهم وأشكالهم ، ومن قام بدين الإسلام ، ودعا الناس إليه،فقد تحمَّل أمرًا عظيمًا وقام مقام الرسل في الدعوة إلى الله ، والداعي يحول بين الناس وبين شهواتهم وأهوائهم واعتقاداتهم الباطلة ، وقد يؤذونه فعليه أن يصبر ويحتسب . قال الإمام مالك رحمه الله:"لا تغبطوا أحدًا لم يصبه في هذا الأمر بلاء" (1) .
والصبر: ثبات القلب عند موارد الاضطراب ، والدين كله يحتاج إلى صبر ، وأصل هذه الكلمة هو: المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع ، واللسان عن التشكي ، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوها ، وأما حقيقته فهو خلق فاضل يمنع من فعل ما لا يحسن ولا يجمل ، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"لا ينال الهدى إلا بالعلم ، ولا ينال الرشاد إلا بالصبر" (2) . وبالصبر واليقين اللذين هما أصل التوكل تُنال الإمامة في الدين . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فمن أعطي الصبر واليقين جعله الله إمامًا في الدين" (3) . فكن سائرًا في الدعوة إلى دين الله وإن أوذيت فأذية الداعي إلى الخير من طبيعة البشر ، قال الله لنبيه: { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } ، والرسل أوذوا بالقول والفعل ، قال الله: { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون } ، بل إن منهم من تعرض للقتل ، قال سبحانه: { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } ، ومن قام بما قام به الرسل ناله ما نالهم ، قال سبحانه:
(1) الفتاوى4 / 50 .
(2) الفتاوى10 / 40 .
(3) الفتاوى6 / 215 .