الصفحة 174 من 195

( وبعد بعث ) الخلق وقيامهم من قبورهم,فإنهم ( محاسبون ) على دقيق الأعمال وجليلها ، صغيرها وكبيرها كما قال سبحانه: { يُنبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } ، وكل شيء مكتوب في كتاب ينشر في الحشر { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرًا ولا يظلم ربك أحدًا } ، والميزان في الحشر,ميزان حق وعدل,قال جل وعلا: { ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا } . وبعد هذا الحساب فإن جميع الخلق ( مجزيون بأعمالهم ) إن كان خيرًا فخير ، وإن شرًا فشر قال سبحانه: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره } وقال تعالى: { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } . ( والدليل ) على أن الخلق يبعثون بعد موتهم,ويحاسبون على أعمالهم ( قوله تعالى: ليجزي ) أي:سيجازي الله (الذين أساءوا ) العمل من الشرك فما دونه ، يجازيهم ( بما عملوا ) من إساءة ، ( ويجزي الذين أحسنوا ) في عبادة ربهم ووحدوه ، وأحسنوا إلى خلقه ، وأخلصوا له الأعمال ، سوف يثيبهم على أعمالهم ( بالحسنى ) وهي: الجنة ، بل ولهم الزيادة وهي النظر إلى وجهه الكريم كما قال سبحانه: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الزيادة"بالنظر إلى وجه الله الكريم"رواه مسلم (1) . وهذا من حكمة الله العظيمة في بعث الناس ومحاسبتهم ، فلو لم يكن هناك جزاء ولا حساب لَظَلَم الناسُ بعضهم بعضًا ، وسَلَبَ بعضهم مال بعض ، وعمَّت الفوضى في الحياة ، والذي يحجز الناس عن البغي والمعاصي هو تذكر الحساب والعقاب ، ولما غفل الكفار عن الحساب تمادوا في الكفر والطغيان قال سبحانه: { إنهم كانوا لا يرجون حسابًا } . *

(1) صحيح مسلم رقم ( 181 ) 1 / 489 من حديث صهيب - رضي الله عنه -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت