فهرس الكتاب
ولم يذكر تعالى للتوكل جزاء غير تولي كفاية العبد, ولم يأت في أي عبادة من العبادات أن الله قال: { فهو حسبه } , إلا في مقام التوكل, فدل على عظم شأن التوكل وفضيلته وأنه أجل أنواع العبادة وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار ثم قال تعالى: { إن الله بالغ أمره } فلا يعجزه شيء أراده قال شيخ الإسلام رحمه الله:"وأما أرجح المكاسب: فالتوكل على الله والثقة بكفايته وحسن الظن به ، وذلك أنه ينبغي للمهتم بأمر الرزق أن يلجأ فيه إلى الله ويدعوه" (3) .
وراحة النفس في تفويض أمرها لخالقها ، ويزداد تعلقها ببارئها إذا تذكرت أن الرب عليم بحالها ، رحيم بأمرها ، قدير على كشف ضرها ، كريم يأجرها على مصيبتها ويخلف لها عوضًا خيرًا مما فات عنها ، وإذا صدق التوكل على الله تحققت المنى بأمر الله ، قال ابن القيم رحمه الله:"ومن صدق توكله على الله في حصول شيء ناله ، فإن كان محبوبًا له مرضيًا كانت له فيه العاقبة المحمودة ، وإن كان مسخوطًا مبغوضًا كان ما حصل له بتوكله مضرة عليه ، وإن كان مباحًا حصلت له مصلحة التوكل دون مصلحة ما توكل فيه, إن لم يستعن به على طاعاته" (1) .
فعلق قلبك بالله في السلامة من الشرور, والعافية من الفتن, وحصول الرزق, ودخول الجنة, والنجاة من النار, مع الأخذ بالأسباب المشروعة ، وإياك والتعلق بالمخلوق ، فإنه عاجز عن كشف الضر، قتور في العطاء ، والمخلوق وإن كان له نوع قدرة فلا يعتمد عليه ولو فيما أقدره الله عليه, بل يعتمد على الله وحده ، فإن من اعتمد على حسبه ذلَّ ، ومن اعتمد على عقله ضلَّ ، ومن اعتمد على ماله قلَّ ، ومن اعتمد على الناس ملَّ .
(1) مدارج السالكين 2 / 114.