فهرس الكتاب
وتوجه القلب إلى الله بالإنابة والرجوع إليه عبادة جليلة يثاب عليها العبد . والإنابة: هي الرجوع إلى الله, وأصلها محبة القلب وخضوعه وذله للمحبوب المراد ، فمن لا يُحبُّ لا يمكن الإنابة إليه .قال ابن القيم رحمه الله:"الإنابة هي عكوف القلب على الله عز وجل, كاعتكاف البدن في المسجد لا يفارقه ، وحقيقة ذلك عكوف القلب على محبته وذكره بالإجلال والتعظيم ، وعكوف الجوارح على طاعته بالإخلاص له, والمتابعة لرسوله - صلى الله عليه وسلم -" (1) . والإنابة بمعنى التوبة ولكنها أعلى من التوبة ، لأن التوبة إقلاع وعزم على أن لا يعود وندم على ما مضى ، فإن استمر على ما هو عليه من عباداته فهو تائب ، فإذا أقبل على الطاعات بعد توبته كقراءة القرآن والصدقة فهذه إنابة إلى الله ، فمن تاب من السرقة مثلًا كان تائبًا, فإذا أقبل على الطاعات بعد التوبة كالاستغفار والذكر ونحوهما كان منيبًا ، فالإنابة تدل على التوبة, وتدل على الإقبال على الله بالعبادات.
والمصنف اقتصر على ذكر الإنابة ولم يذكر التوبة من أنواع العبادة ، لأن صورة العبادة بالنسبة للإنابة,أوضح من صورتها بالنسبة إلى التوبة ، بسبب زيادة الإقبال على العبادة ، ولأن الإنابة أعم من التوبة ، والفطرة دالة على الإنابة, قال شيخ الإسلام رحمه الله:"الفطرة تتضمن الإقرار بالله والإنابة إليه" (2) .
والمنيب إلى الله هو المسرع إلى مرضاته،العائد إلى الله في كل وقت ، السبَّاق إلى محابِّه، قال ابن القيم رحمه الله:"إنابة أوليائه إنابة لإلهيته إنابة عبودية ومحبة,وهي تتضمن أربعة أمور: محبته ، والخضوع له ، والإقبال عليه ، والإعراض عما سواه ، فالمنيب إلى الله المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت ، المتقدم إلى محابه ، لأن لفظ الإنابة فيه معنى الإسراع والرجوع والتقدم" (3) .
(1) الفوائد ص 341 .
(2) الفتاوى2/ 6.
(3) مدارج السالكين 1 / 434.