عائض بن عبدالله القرني
بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
إلى كل صائم قائم. إلى الذين ذبلت شفاههم من الصيام.
وجفت أكبادهم من الظمأ. وخمصت بطونهم من الجوع.
إلى من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا أُهدي هذي الكتاب
عائض
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
الحمد لله الملك القدوس السلام، ذي الطول والعزة والإكرام، هدانا للإسلام، وشرفنا بالصلاة والصيام.
والصلاة والسلام على إمام المرسلين وخيرة المصلين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد.
فهذا كتاب"دروس للصائمين"جمعت فيه من الآيات أوقعها، ومن الأحاديث أصحها، ومن الأبيات أعذبها، ومن المواعظ أرقها، فهو كتاب للصالحين في مجالس السمر وللمتنقلين في منازل الأسفار، وللأحباب في النزهات، وللوعاظ في المحاضرات، ولعل الأستاذ أن يستفيد منه، والخطيب أن يعرج عليه وإمام المسجد أن يقرأ فيه.
جعلت من مقاصد هذا الكتاب أمورا ثلاثة:
أولها: توثيق مواعظه ورقائقه بآيات الكتاب العزيز والسنة الصحيحة الثابتة فلا أورد حديثا ضعيفا أبدا ولا قصة واهية ولا أثرا مستغربا.
ثانيها: قصدت به غرس الإيمان في النفوس وبناء اليقين في القلوب، وما قصدت جمع المسائل الفقهية إذ كفاني في هذه المهمة الفضلاء فأثروا بما كتبوا المكتبة الإسلامية فجانب الأحكام كثيرة مادته، ولكن الإيمانيات العبر الموحيات والنداءات الجليات هي التي تنقصنا، فعسى أن يكون هذا الجهد ملبيا للطلب.
ثالثها: حرصت في هذه الدروس أن أكسوها بجلباب الأدب القشيب وأن أتوجها بتاج الفصاحة الأغر، سيرا على منهج القران الكريم والسنة المطهرة في جمال العبارة، وإشراق الألفاظ وروعة الديباجه، ليكون المطالع بين جدولٍ وخميلةٍ، وبستان وواحة، وماءٍ وظلٍّ، وطلٍّ وندى.
وكلامُها السحرُ الحلالُ لو أنَّهُ ... لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملُل وإن هي أوجزت ... ود المحدَّثُ أنها لم تُوجز
دررٌ تعيشُ الأذنُ في نغماتها ... بمطرزٍ عذبٍ وغير مطرز
مرحبا بالزائر الكريم
صحَّ عنه عليه الصلاة والسلام أنه إذا رأى الهلال قال: (( ربي وربك الله هلالُ خيرٍ ورشدٍ، اللهم أهله علينا بالسلامة والإسلام والأمن والإيمان ) ) [1] .
ورمضان أشرفُ الشهور، وأيامُه أحلى الأيام، يعاتب الصالحون رمضان لقلة الزيارة، وطول الغياب، فيأتي بعد شوقٍ، ويفد بعد فراق، فيحييه لسان الحال قائلًا.
مرحبًا أهلًا وسهلًا بالصيام ... يا حبيبًا زارنا في كل عام
قد لقيناك بحبٍّ مفعمٍ ... كل حبٍّ في سوى المولى حرام
فاقبل اللهم ربي صومنًا ... ثم زدنا من عطاياك الجسام
لا تعاقبنا فقد عاقبنا ... قلقٌ أسهرنا جُنح الظَّلام
والعجيب أن هذا الضيف يصلح الله بمقدمه القلوب، ويغفرُ بزيارته الذنوب، ويستر بوصوله العيوب، فحيَّ هلا وسهلًا به.
هديه صلى الله عليه وسلم في الصوم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (( وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثارُ من أنواع العبادات، فكان جبريل عليه الصلاة والسلام يدارسه القرآن الكريم في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسله، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان [2] ، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن الكريم، والصلاة والذكر والاعتكاف.
وكان يخصُّ رمضان من العبادة بما لا يخصُّ غيره به من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانًا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة، وكان ينهى أصحابه عن الوصول، فيقول له: إنك تواصل، فيقول: (( لستُ كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يُطعمني ويسقيني ) ) [3] .
والله عز وجل رسوله عند هذا الوصال بلطائف المعارف، ودر الحكم وفيض أنوار الرسالة، لا أنه طعام وشراب حقيقة، إذ لو كان كذلك لما كان عليه الصلاة والسلام صائمًا.
فلما قرّت عينه عليه الصلاة والسلام بمعبوده، وانشرح صدره بمقصوده وتنعم باله بذكر مولاه، وصلح حاله بالقرب مِن ربّه نسي الطعام والشراب كما قال الأول:
فزادُ الرُّوح أرواحُ المعاني ... وليس بأن طعمت ولا شربتا
فليس يُضيرك الإفتارُ شيئًا ... إذا ما أنت ربك قد عرفتا
(1) رواه الترمذي وأحمد وإسحاق في مسنديهما وهو حديث حسن.
(2) متفق عليه عن ابن عباس.
(3) رواه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ.