الصفحة 104 من 214

1/ 271): ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولا ما لم يكن محرما.

وهذا الذي ذكرناه أصل يجب أن نستحضره في موضوعنا مع اعتبار الثوابت التي تأخذ حكما أكثر أصالة ورسوخا، والمعنى أن الأصل عدم تغيير المنكر إذا خيف الوقوع في ما هو أنكر، إلا إذا كان المنكر هو الشرك نفسه فيجب الإنكار بأي حال لأنه ليس بعد الشرك والكفر منكر أعظم منه، وهذا هو المقصود بالثوابت.

ومما ينبغي ملاحظته أن دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجب أن ينتقل من الأداء الفردي إلى الحشد الجماعي الهادر، كما يجب أن تتكثف الجهود الدعوية لتعميم قضية النهي عن المنكر خاصة، وتطعيم الخطاب الدعوي بعناوين بارزة حول هذا الصدد بحيث يكون عاملا في توجيه دفة اهتمام الناس إلى هذه الفريضة الغائبة.

لم يعد من المجدي أن يمارس الدعاة النهي عن المنكر بعيدا عن تأييد كل قطاع الصحوة بل المجتمع، أو بعيدا عن التعاطف الإيجابي الذي يشعر به الناهي عن المنكر أنه ينافح عن كيان مجتمعه الذي يقف من ورائه مؤيدا وناصرا.

وليس التأييد والنصرة صورة في ذهن أحد منا يجب أن تتحقق، فليس التأييد مثلا أن تتمدح وسائل الإعلام جهود الدعاة في محاربة المنكرات، أو أن ينتظر الدعاة من علماء السلطة فتوى تؤيد أعمالهم وتحركاتهم، أو أن يقوم المسلمون بمظاهرات هادرة معلنة تأييدها للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

ولكن المقصود بالتأييد أن يصل الدعاة إلى مستوى يقتنع الناس فيه بوجاهة ما يفعلونه وأن تصرفاتهم موزونة وتمثل مصالح الأمة ومنافع المجتمع، وأن تتجاوب الشرائح المهمة في المجتمع كالمثقفين والطلبة والعلماء ورموز المجتمع مع تحركات الدعاة في هذه الصدد.

وكما ذكرت: فإنه ليس من الضروري أن يكون هذا التجاوب صريحا واضحا، فقد يسكت المجتمع ويسود الصمت قطاع المعترضين فيفهم الحصيف أن تصرفات الدعاة لم يستطع أحد أن يتناولها بقدح لأنه إما أن يكون مقتنعا بها أو خائفا من مواجهة الناس بإنكارها فيخسر هو تعاطفهم وجماهيريته بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت