الصفحة 105 من 214

وسأضرب مثالا واقعيا حول إنكار المنكرات العامة العظيمة في المجتمع يثبت هذا المعنى: ففي بداية التسعينيات من القرن الميلادي الحالي انبرى مجموعة من الدعاة وأصحاب الغيرة على حرمات الله تبارك وتعالى من أعيان المجتمع [1] لمحاربة حملة الإلحاد والعلمنة والإباحية التي استشرت في المجتمع المصري، فأعياهم البحث عن وسيلة يناهضون بها شياطين الإنس المجندين لتنفيذ مآرب قوى الشر، فوجدوا أن أقوم سبيل لضمان تأييد الرأي العام أن تواجه تلك المنكرات عبر القنوات المعتبرة في الدولة، فقرروا مخاصمة أصحاب تلك المنكرات إلى المحاكم وإعمال كل نصوص القانون الوضعي التي يحتمل منطوقها ومفهوها تجريم تلك المنكرات.

وبدأ أولئك الغيورون في رفع القضايا على رموز الانحلال والعلمنة المجاهرين بفجورهم وكفرهم، وتم رفع قضايا على بعض الممثلين والممثلات الذين اعتادوا تقديم مشاهد مخلة في أفلامهم وعلى صور الإعلانات المعلقة في الشوارع والطرقات، وخوصم بعض رموز العلمنة في الجامعات المصرية الذين ما فتئوا يصرحون بضرورة هدم الموروثات الدينية التي يقوم عليها الأمن الاجتماعي مثل إنكار العقائد المسلمة أو بعض النصوص القطعية.

ومن أروع الأمثلة التي طرب لها قلب كل غيور وشفى الله به صدور قوم مؤمنين: القضية التي تم على أساسها طلب التفريق بين أستاذ جامعي وزوجته لإتيانه في كتاباته التي يدرسها أقوالا نص العلماء في كل المذاهب على عدها ردة يستتاب قائلها وإلا قتل.

وقد حكمت المحكمة الابتدائية برفض الدعوى لرفعها من غير ذي صفة، فلم ييأس المجاهدون وأعادوا رفعها في الاستئناف فحكمت لصالحهم، وأمرت بالتفريق بين الأستاذ الجامعي وزوجته (وهي أستاذه جامعية أيضا) ، فعاند أولئك الخصوم وأعادوا رفع القضية في محكمة النقض التي تتسم أحكامها بمهابة وتوصف بأنها نهائية لا يجوز معارضتها، وكانت القاصمة حين حكمت محكمة النقض بتأييد حكم الاستئناف والأمر بالتفريق بين الزوجين، ولكن الزوجين كانا قد أعدا عدتهما وسافرا إلى بلد أوروبي لاجئين لائذين بديار المشركين مستجيرين، فأخسر بها من سفرة يبيع فيها المرء دينه بعرض من الدنيا قليل.

وعند متابعتي للصحف والمجلات وتحليل الأخبار التي تناولت الموضوع وجدت ما يلي:

(1) على رأسهم الشيخ يوسف البدري والمستشار محمد صميدة الذي قام برفع الدعوى ضد كثير من تلك المنكرات في المحاكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت