الصفحة 107 من 214

لقد بعث بعض الشباب الغيورين برسالة إلى إحدى الصحف يستنهض فيها غيرة علماء الدين للذب عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث دأب أستاذ الأدب في الجامعة الأمريكية على تناول النبي صلى الله عليه وسلم بالقدح في كتابه الذي يدرسه للطلبة.

فثار المجتمع مستنكرا مطالبا بوقف هذه الحملة الكفرية المسعورة ضد رموز الأمة، وخطب كثير من خطباء مساجد الأوقاف ذامين الموقف السلبي تجاه هذا الشأن الجلل.

وآخر شاهد فيلما أجنبيا يقدح في الذات الإلهية، فبعث إلى إحدى الصحف واسعة الانتشار يستنكر سكوت الرقابة على تمرير هذا الفيلم. فتأمل كيف أن عامة الناس على استعداد للتعبير عن غضبتهم إزاء التجاوزات التي تمس صلب المسلمات التي نشأوا عليها.

إن هذا الرجل لم ينكر على نفسه أو على مجتمعه وجود دور عرض تعرض الأفلام الأجنبية التي لا بد وأن تحوي مشاهد لا يقرها الشرع المطهر، وذلك لجهله وعمايته وغفلته عن هذه الأحكام، ولكنه فيما يعلم ويعتقد كان إيجابيا لدرجة بعيدة المدى.

إن فن إثارة الرأي العام مسلك يستخدمه أعداؤنا بالباطل، فلماذا لا نستخدمه بالحق، وإذا كانوا يدغدغون عواطف الناس ببعض المسلسلات والتمثيليات والأفلام مستغلين انكباب الناس على الشهوات فلماذا لا نستغل نوازع الإيمان والخير في قلوب المجتمع لتكون حربا على أعدائهم الحقيقيين.

هذا هو لب الموضوع في بحثنا، إننا يجب أن نفكر كيف ننكر المنكر قبل أن نقرر أن ننكره، ويجب أن نخطط لذلك وبأناة وإتقان قبل أن نبادر إلى اتخاذ خطوات عقيمة نخسر من ورائها نقاطا كثيرة من سمعة الدعوة ووجاهتها بين الناس.

ولا بد أن يكون في الحسبان أن الدعاة يعملون في مجتمع ملوث بعقائد فاسدة وأفكار منحرفة، وأن أفراد هذا المجتمع مجروفون بشهواتهم وغرائزهم إلى اتجاهات لا تلتقي مع ما يدعو إليه الدعاة في الغالب، بل قد تصطدم تلك الشهوات مع الدعوة في كثير من الأحوال.

ولا بد أن يكون مُستحضرا أيضا أن هذا الفساد الذي نعالج بتره قد بدأ ينهش في نسيج الأمة منذ قرنين من الزمان، وأنه سرى حتى بلغ النخاع، لا جرم يحتاج إلى وقت مديد لاستئصاله واستخراج مادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت