الصفحة 108 من 214

وعليه: فإن الأناة في مواجهة الباطل والتريث في الإعداد له مسلك رشيد لنصرة الحق، وليس جبنا أو خنوعا أو ذلة.

أما المنكرات الصغيرة المتكررة التي نواجهها كل يوم فتحتاج أيضا إلى فلسفة جديدة - إن جاز التعبير - في التغيير وفي آلياته.

فالواجب على كل مسلم أن يتفانى - قبل كل شيء - في محاربة المنكر أينما كان، وبعد ذلك فإنه يجب أن يتخذ العدة والعتاد لمجاهدة الباطل، وقد ذم الله تبارك وتعالى طائفة متخاذلة عن نصرة الحق، فقال تعالى: {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة} ، وأمر طائفة أخرى إن هي أرادت نصرة الحق أن تنصره بالعدة اللازمة، قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} .

والإعداد لإنكار المنكر دليل على جدية المحتسب في قيامه بهذا الفرض، وعلى رغبته في تحقيق ثمرة مرجوة من الإنكار، وليس الإنكار لمجرد الإنكار.

فمن العدة اللازمة: العلم الواجب توافره للإنكار، فقد يكون مرتكب المنكر جاهلا يحتاج إلى التعليم والتفهيم، وقد يواجه المحتسب أقواما يجادلونه في كون المنكر مختلفا فيه فلا يسوغ الإنكار فيما هو بصدده مثلا. وهذا كله يتطلب عدة علمية تؤهل المحتسب للقيام بواجبه.

ومن العدة التي يجب أن يتخذها المحتسب اختيار الوقت المناسب للإنكار، وتقدير المصلحة والمفسدة المترتبة، إلا في المواقف التي تتطلب إعلاما وبيانا وقت الحاجة فلا يجوز التأخير حتى لو لم تترتب مصلحة ظاهرة من الإنكار، فالمصلحة المتحققة قيام الحجة في حق الجاهلين.

ومن العدة التي يجب أن يتخذها المحتسب أيضا قلب عامر باليقين والثقة بالله تبارك وتعالى، ولسان رطب بذكره عز وجل، واستخدام الكلمات اللينة عند بداية الإنكار [1] والرفق بصاحب المنكر وإنزال الناس منازلهم وإقالة ذوي الهيئات عثراتهم.

وأهم ما يجب أن يراعيه المحتسب أن يكسب تعاطف الناس من حوله قبل إنكار المنكر، وذلك باستنفار المشاعر الإيمانية في الحال، وإظهار المنكر في أشنع صورة، بحيث يحصل الإجماع من الموجودين على استقباحه واستهجانه، ثم يبدأ بعد ذلك في بيان عقوبة الله تبارك وتعالى والتخويف

(1) وقد يتطلب الأمر تغليظا في الكلام وخشونة في اللفظ، وعند ترتب المصلحة على ذلك فلا مانع من القيام به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت