الصفحة 113 من 214

فغدت كأنها حكر عليها ووقف من أوقافها، فتأمل كيف أصبح شعار (الحرية والعدل والمساواة) من شعارات الثورة الفرنسية التي عرفت بها منذ قامت حتى زعم الزاعمون أنها أم الثورات التحررية وزعيمة الحركات التي نادت بالعدل والمساواة. وما نحن بصدده هنا: هو كيفية توسيع مستوى الخطاب الجماهيري لدى الخطاب الدعوي بعامة، بحيث تستطيع الدعوات أن تحتل أكبر مساحة ممكنة من المواقع.

فالملاحظ أن مفردات الخطاب الدعوي لدى بعض الحركات الإسلامية تنحو جانبا تخصصيا زائدا عن المطلوب، حتى في صعيد الخطاب الجماهيري الذي يتطلب نزولا في المستوى إلى أفهام العامة حتى لا تنشأ حواجز نفسية مع مرور الزمن بين الجماهير وبين تلك الحركات الإسلامية.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم الدعاة هذا الأصل، ونبههم إلى ضرورة الحذر عند التحدث مع العامة [1] ، ولعمري إن الحديث إلى عامة الناس لا يقل أهمية في ضرورة الاستعداد وانتقاء الألفاظ عن الحديث إلى المتخصصين والمتبحرين.

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (خاطبوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ ‍) . رواه البخاري في صحيحه. وقال عبد الله بن مسعود: (ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) . رواه مسلم.

ويعلم من ذلك أن الداعية يجب أن يتجافى عن كثير من الموضوعات التي قد يظنها مهمة، ولكن مقتضيات الواقع تفرض عليه التريث في مواجهة الجماهير تلك الموضوعات لما قد يترتب على ذلك من المفاسد الشرعية المعتبرة أو تأخر المصلحة الأولوية.

ولا شك أن خطاب الجماهير ينبغي أن يخضع لسياسة إعلامية سنتحدث عنها في الجهد الإعلامي (الطريقة الخامسة عشرة) ، ونود هنا أن نؤصل للخطاب الجماهيري الذي نريده أن يكون حسا دعويا لكل داعية، فهو يلاحظ أثناء دعوته أن المراد تجييش الأمة نحو أهداف معينة،

(1) روى البخاري عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم - ومعاذ رديفه على الرحل - قال: (يا معاذ ابن جبل) قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: (يا معاذ) قال: لبيك يا رسول الله وسعديك (ثلاثا) . قال: (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار) قال يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال: (إذا يتكلوا) . وأخبر بها معاذ عند موته تأثما.

قال الحافظ ابن حجر في الفتح (1/ 272) : وممن كره التحديث ببعض دون بعض: أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب .. وعن الحسن أنه أنكر على أنس تحديث الحجاج بقصة العرنيين لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي. أهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت