فهرس الكتاب
وما من مجتمع مسلم إلا وينظر إلى هذين الأمرين (الخطبة والدرس) نظرة تختلف عن نظرته لمظاهر الدعوة الأخرى، فأضحت الخطبة والدرس لذلك من أيسر الوسائل وأكثرها تأثيرا على شرائح المجتمع المختلفة.
وإذ ننكر على من يريد قصر مفهوم الدعوة على الخطبة والدرس فلا يعني ذلك أننا نستقل من شأنهما أو نهون من خطرهما، فالمقطوع به أنه ما من وسيلة يضمن الدعاة حشد الناس بها ويضمنون تواجد كل الشرائح من غني وفقير وعالم وجاهل وصغير وكبير كما يضمنون استماع كل أولئك للخطاب الدعوي مثل الخطبة أو الدرس، ومن المقطوع به أيضا أنه ما من وسيلة نضمن بها تنشئة الأجيال في جو مقدس ومحيط طاهر مثل الخطبة والدرس حيث يرتع الحاضرون في رياض الجنة ويجوبون بأرواحهم في بساتين الذكر الفياحة فتطهر قلوبهم وتزكو نفوسهم وتتعطر أرواحهم بأريج الجو الإيماني الذي يحيط بهم من كل صوب.
وإذا كان ذلك كذلك فلا بد أن يعمل الدعاة على استغلال هذه الوسيلة بما يحقق المقصود وينتج الثمرة المرجوة، فلا يليق أن نرى الجموع الغفيرة تأتي إلى المساجد طوعا أو كرها ثم تكون خطبنا عامل هدم وتنفير لتلك الجموع.
الخطبة موصوفة في القرآن بالذكر، وقد أجمع أهل العلم أنها مشروعة للتذكير بالله تبارك وتعالى وبقضايا الدين المهمة، وكانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم موصوفة بالقصر مع طول الصلاة (أي صلاة الجمعة) ، وأن هذا المسلك هو من فقه الإمام ودرايته بما ينفع ويفيد.
إن هذه الصفات يجب أن تراعى من الدعاة التزاما بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، واعترافا بأن الحيدة عنها ضار غير نافع، وليس من الفقه والعلم بالدين.
فليس من المناسب أن يخطب بعض الدعاة في ساعتين أو أكثر، كما أنه ليس من المناسب بعد ذلك أن يقصر الصلاة فكأنه يتعمد مخالفة السنة، مع أن الدعاة أحق الناس باتباع السنة.
وليس من المناسب أن تكرس الخطبة للكلام في موضوعات لا تمت للتذكير بِصلة، كأن يخطب الدعاة في الأمور الخلافية، ويسخرون خطب الجمعة للرد على بعضهم البعض، أو نحو ذلك من المسالك التي تنال من مصداقية الدين قبل أن تنال مصداقية الدعاة أنفسهم.