الصفحة 118 من 214

فليس على الدعاة من بأس أن يقصروا الخطبة في حدود النصف ساعة ولا يزيدون عن الساعة بحال، وإذا أرادوا بسط الكلام في قضية تحتاج إلى تطويل أن يكون ذلك بعد الصلاة وبشريطة ألا يتخذ عادة وسنة، وإلا قد يدخل الاعتياد على هذا المهيع في باب الابتداع.

أما موضوعات الخطبة فيجب أن تدور حول أساسيات الدين، وأقول مؤكدا (تدور) وليس المعنى أن ترتكز على الأساسيات ولا تزحزح عنها، فقد يحتاج الدعاة إلى التذكير ببعض القضايا الملحة التي ليست من ضروريات الدين ولكنها ذات خطر وشأن في الحالة الراهنة.

والأفضل أن يدور فلك الخطبة حول موضوع واحد، متحاشيا - الخطيب - أن تكون خطبته من النوع الهلامي الذي لا يمكن الإمساك بمضمونه أو التعبير عن عنوانه.

وتوحيد الموضوع في الخطبة الواحدة يفيد المستمع في تركيز الاستفادة من عناصر الخطبة فيخرج بفائدة متحققة، بخلاف ما لو استمع إلى موضوعات متعددة واستمتع بهذه النزهة العلمية ولكنه في ذات الوقت لا يستطيع أن يختزل فوائد الخطبة في عناصر محددة.

وقد كنت أتعمد أن أسأل إخواني بعد استماعهم لأي خطبة أو درس عما استفادوه لأتبين طريقة انتفاع الناس من الخطبة أو الدرس، فتبين لي أن معظم الناس تطربهم الخطب ذات القصص والحكايات، ويتبرمون من الخطب العلمية الصماء التي لا تحرك القلوب، وأن نسبة التركيز تكون في أعلى معدلاتها في بداية الخطبة أو في أوقات الذروة من الحماسة والإثارة، وأن نسبة الذين تسرح عقولهم في مراعي الدنيا أو ينامون ليست بالقليلة، وبخاصة عندما تكون الخطبة مشجعة على هذا المسلك.

هذه فوائد أضعها بين يدي الخطباء والدعاة ليقرروا لأنفسهم ولمستمعيهم النافع المفيد وينأوا عما يضعف من تأثير الخطبة على الناس.

ولكننا - كدعاة - يجب ألا نتأثر بطريقة الناس في الاستماع ونكيف أنفسنا ودعوتنا وموضوعاتنا المهمة على نمط المستمعين وهواهم.

وبئس الخطيب الذي يطربه صخب الدهماء إذا سمعوا قصة مؤثرة أو موعظة بليغة، وبئس الخطيب الذي يبحث عما يثير الناس ليخطب به، ويفتش عن نقاط التأثر عند الناس فيعمد لاستثارتها على الدوام وإن لم تكن مناسبة للمقام، وقد قيل قديما: لكل مقام مقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت