فهرس الكتاب
فمثل هذا الخطيب أو الداعية ستضمحل قضايا دعوته أمام شهوته في الضجيج والصخب وما يسمونه بالديماجوجية أي الهياج الجماهيري الفارغ.
وقد اتعظ كثير من الخطباء والدعاة بهذا الأمر حين استبان لهم بعد دهر أن من كانوا يصيحون حولهم ويهيجون متأثرين بمواعظهم هم أول جمع يتفرق عنهم عند حلول المدلهمات.
وينبغي أن يكون الخطيب أو المحاضر مرتبا منظما في خطبته، ينتقل من المقدمة إلى الموضوع فالخاتمة في سلاسة ونظام، وإذا تحدث في الموضوع ينتقل من فكرة إلى نتيجتها، ولا يقفز على التسلسل معتمدا على ذكاء المتلقي والمستمع، فالخطيب المؤثر يفترض دوما أنه يخاطب أدون الناس علما وثقافة.
كما ينبغي على الخطيب والمحاضر أن ينتقي الموضوعات بعناية، بحيث يتوفر فيها عناصر الأهمية واحتياج الناس والواقعية والتأصيل الشرعي في التشخيص واقتراح العلاج.
فالخطبة البتراء هي التي تهيم بالناس في أودية المشكلات والمخالفات الشرعية ثم تتركهم دون أن تقترح لهم العلاج الشرعي لما هم فيه.
والخطبة المنقوصة هي التي يعيش ملقيها في أحلام الكرى بعيدا عن معترك الواقع الدامي الذي يموج فيه الناس ويحتاجون إلى من يقنن لهم حياتهم تلك على وفق شرع الله تبارك وتعالى.
والخطبة القصماء (نقيض العصماء) هي التي يسخرها ملقيها لتصفية حسابات شخصية فيكون كأهل الكتاب الذي بدلوا كلام الله ليشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون.
وينبغي على الخطيب أن يكون رشيقا مؤثرا في تحركاته على المنبر، وأن تتوازى مستويات صوته مع مدى تأثير الكلام وقوته. وأن يتحاشى في تعبيرات قسماته ما يعده الناس عيبا أو مما لا يليق صدوره من الدعاة وأهل العلم كالغمز وإخراج الأصوات المنكرة من الفم والأنف. وكذا أن يتحاشى أي حركة معيبة في عرف الناس، فكل ذلك من شأنه أن يجعل للخطبة رونقا وبهاء.
ومن أقبح القبيح أن يكون دعاتنا ملحنين، ليس من لحن الموسيقى بل لحن الكلام أي خطؤه وانحرافه عن الوزان العربي الفصيح. ومثله في القبح أن يخطب الدعاة بالعامية الهابطة، معرضين عن اللسان العربي المبين (لغة القرآن الكريم) . كما أنه ليس من السوي أبدا أن يخرق آذان المستمعين فتح المجرور وجر المنصوب ونحوه مما يجعل الآذان تدمى عند سماع الخطبة.