فهرس الكتاب
وليس من العسير على الخطباء والدعاة أن يتدارسوا بينهم علوم العربية كما يتدارسون العلوم الشرعية الأخرى، مع اعتبار أن علوم العربية شرط أساس لفهم القرآن الكريم، فضلا عن إفهامه الناس.
كما أنه ليس من العسير أن يجول الداعية والخطيب ببصره بين الفينة والفينة في كتب الأدب والشعر ليصقل ملكته البيانية، ويرقى بمستوى أدائه اللغوي، فلو طالع العقد الفريد أو البيان والتبيين أو ديوان الحماسة أو المتنبي لكان له شأن في صياغة فصيح الكلام وبلوغ الرتبة الراقية في البلاغة والبيان.
والداعية والخطيب لا يجوز أن يكون مغيبا عن مجتمعه هائما في كواكب الكون بعيدا عن أرض الواقع الذي يعيش فيه، فيجب عليه أن يكون مطالعا للصحف السيارة ليباشر بنفسه معرفة الأخبار الجديدة، والتي قد يكون لها أثر في الصعيد الدعوي، أو يكون لها أثر على الشرائح التي يقوم بمباشرة علاج أمراضها وآفاتها.
كما أن على الخطيب والمحاضر ألا يكون أحادي العطاء، أي يخطب ويحاضر فقط، ويستنكف أن يتكاسل عن حضور خطب الآخرين ومحاضراتهم، فإن من ذلك من شأنه أن يحصره في مستوى واحد من الأداء والإفادة، فإن من يستمع أكثر استفادة ممن يتكلم، ومن يتكلم ولا يستمع فسيأتي عليه الوقت الذي يشعر فيه أنه لا يملك ما يتكلم به، ولذلك نبه بعض الأذكياء أن للإنسان فم واحد وأذنان وعينان، ليتكلم قليلا ويسمع كثيرا ويرى كثيرا، والمراد بالسمع والنظر ما يكون وسيلة لحصول المعلومة في الفؤاد كما أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} .
ويجب على الخطيب أن يعود نفسه على الارتجال، أي بداهة الإلقاء، وسرعة تحضير الموضوع، ويكون ذلك بالدربة وكثرة القراءة والمطالعة، والإكثار من محفوظات النصوص، وبخاصة التي يمكن استعمالها في كل المواطن كالشواهد الشعرية والحكم العربية القديمة، أما الآيات والأحاديث فلا ينبغي أن يحتاج الخطيب إلى من يوصيه بحفظها، فهي رأس ماله وعدته وعتاده.
أما الموضوعات المطروحة فلا بد أن تكون مناسبة لمستوى الحضور، ومناسبة للزمان والمكان، فلا يليق أن يخطب بين الناس في دقائق علم السلوك حال كون جمهور المستمعين ممن لا يصلون إلا