الصفحة 122 من 214

إن الإسلام دين عالمي، جاء للناس كافة، وأنزله الله تبارك وتعالى مهيمنا على الدين كله، وناسخا لكل شريعة سابقة، ومبطلا لكل مذهب فلسفي أو قانون أرضي أو اتجاه فكري، قال الله تبارك وتعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره الدين كله ولو كره المشركون} .

ومن قول الله تعالى: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} نفهم البعد الإعلامي في الدعوة الإسلامية، وأنها لم توجد لتكون سرية متوارية، أو قطرية منزوية، أو إقليمية محدودة.

إنه دين كل الناس، ويجب أن يسمع به كل الناس وأن يتعرف عليه كل الناس. ونحن لا يمكن أن ندعي أن دعاة اليوم على صعيد الدول والحكومات أو الحركات الإسلامية والهيئات العالمية العملاقة أو الأفراد لهم نظرة إعلامية واضحة لدينهم الذي يدعون إليه.

وقد يسارع البعض قائلا: لا ضرورة لتعقيد الأمور، فإن دعوة الله ستسري سريان النار في الهشيم، وهذا وعد الله الأكيد. وليس لنا أن ندخل في جدال حول أن دين الله منتصر لا محالة، فإن إيراد الاعتراض على هذا النحو إلزام بما لا يلزم، ومغالطة في مقدمات النتيجة.

والذي يجب أن نعترف به جميعا أن نصر الله لا يؤتاه كسول أو خذول أو مرجف، ولن يصل الدين إلى الناس بينما حملته نيام. ولن يعلو صوته إذا كان أصحابه قد صاموا عن الكلام.

وفي ظل الواقع السياسي والاقتصادي المعاصر لا يمكن أن نسمح بالمثالية الكاذبة [1] أن تحرك اتجاه التفكير وطريقة التدبير. فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مثاليا يوم هاجر من مكة إلى المدينة فاتخذ الصاحب والراحلة والزاد والخريت [2] ، ولم يكن مثاليا يوم حارب حروبه مع الكفار وأعد العدة والعتاد وحشد الجنود وجهزهم بجهازهم.

إنه واقع شرس دام، استعملت فيه كل الوسائل - المشروع منها وغير المشروع - لتدمير هذا الدين والقضاء عليه، ويجب أن نتعامل مع هذا الواقع بشراسة أيضا كما قال تبارك وتعالى: {ما لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} وقوله تعالى: {فإذا لقيتم الذي كفروا فضرب الرقاب فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} وقوله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} .

(1) أعني بها ادعاء اليقين بنصر الله، واستعراض مظاهر التوكل على الله بالعزوف عن الأسباب.

(2) الدليل البصير بالدروب الآمنة ليسلكها والخطرة ليتجنبها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت