الصفحة 129 من 214

للناس، أما إذا تفحصت التحقيق ألفيت العجب العجاب، فما أسهل أن يسوّد مثلُ أولئك حواشيَ تحقيقاتِهم بأمثال: كذا في الشامية والصواب كذا، كذا في النسخة التركية وأظن أن كذا أصح، وليس كل ذلك إلا تبعية حمقاء لمنهج المستشرقين في التخريج والتحقيق تبين للأفذاذ خطؤه وعواره، وقد نبه العلامة المحقق الشيخ أحمد شاكر إلى هذه المسألة وبين أن التحقيق الصحيح النافع بعيد كل البعد عن هذه الفذلكة الأوربية والتي يسميها الأكاديميون: أصول التحقيق والتدقيق، والواقع أنه من التشقيق الذي لا طائل تحته ولا نفع من جرائه.

أما أحابيل الناشرين - الجشعين منهم - في التغرير بالقراء وخداعهم فحدث عن ذلك ولا حرج، فبعضهم يعمد إلى كتاب ضخم مشهور ويقطعه إربا إربا، ويطبع كل باب في كتاب مستقل بعنوان مستقل حتى يظن الظان بادي الرأي أن المؤلف - وهو مشهور بالضرورة - صدر له كتاب جديد، فيبادر القارئ المسكين لشراء الكتاب فإذا قرأه اكتشف عملية الخداع والتزوير.

وناشر آخر كالأسد الضاري، يفترس كل من أمامه ويفرق أشلاءه شذر مذر، يعمد إلى أي كتاب مشتهر بين الناس فيعيد طبعه في سرعة جنونية ليحصل على قصب السبق في سوق الكتاب، وينافس الآخرين بأسعار مُحْبِطَة، ولكنك ما أن تتصفح الكتاب حتى تتذكر المثل السائر: اِخْبَرْ تَقْلَهْ. أي اعرف الأمر جيدا عندها ستهجر ما عرفته وتترك ما خبرته.

ولست مستمتعا والله بسرد هذه الأقاصيص، فإنها لا بد أن تمثّل هَمًَّا يجأر منه الغيورون على دين الله تبارك وتعالى.

ولذلك نحن ندعو ذانكم الطرفين (المؤلف والناشر) إلى ميثاق شرف يتواطآن عليه ويلتزمان به ويمضيان على سبيله، وندعو القراء كذلك إلى التكاتف لمحاربة الثلة المنحرفة التي تتخذ من التأليف والطبع حرفة للكسب السريع فحسب. [1]

ندعو المؤلف إلى احترام الذات، واحترام عقول القراء، ومن قبل ذلك وبعده إلى مراقبة الله تبارك وتعالى فيما يكتب، وندعوه إلى اختيار الموضوع على أساس موضوعي يعتمد على:

(1) لا يحتاج إلى بيان أننا لا ننكر مبدأ التكسب من التأليف والنشر، ولكننا نحارب من يتكسب بدون مقابل، أو يربح بالغش والخداع والتغرير واستغلال سذاجة الناس، ومصيبة الكتاب في هذا الزمان أن ابتلي بمجتمع لا يحترمه، فالقراء قليلون، والقليل منهم من يتذوق ما يقرؤه، وأقل القليل من يعمل بما قرأه وعلمه، فأضحى الكتاب غريبا لا يجد من يدافع عنه وينافح عن قضاياه.

واتحاد الناشرين والكتاب والأدباء .. وهلم جرا صارت لا تغني فتيلا ولا تنفع قطميرا، إذ لم يعد هَمُّهم إلا الدفاع عن الملحدين والشيوعيين والعلمانيين ومؤلفي الروايات الماجنة والأشعار المنحلة والقصائد المختلة، ومع أن الكتاب الإسلامي أثبت تفوقه وصدارته بالنسبة لعدد القراء والكمية المطبوعة (كما تثبت إحصائيات معارض الكتب في الدول الإسلامية قاطبة) فهو لا يجد من يدافع عن حقوقه ضد المغتالين والخائنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت