الصفحة 145 من 214

لقد درس بعض الباحثين في المجال الاقتصادي عن سبب تفوق اليابان على الدول الغربية في المجال الصناعي والتقني والإداري، مع أن الدول الغربية أسبق في كل هذه المجالات.

فخلص هذا الباحث إلا أن التنمية اليابانية بما فيها من حركة اقتصادية وصناعية وإدارية تتضمن عنصرا اجتماعيا حيويا ليس موجودا في المجتمع الرأسمالي الغربي، ألا وهو الروح الجماعية في آلية التنمية اليابانية، ويعني بذلك أن الصناعة والتجارة والإدارة اليابانية - وإن كانت رأسمالية - ولكنها كانت بعيدة عن الفردية المتطرفة التي نادى بها رأسماليوا الولايات المتحدة، والتي هي أشبه ما تكون بالإقطاع، أو نظام الرق المقنن.

إن عجلة التنمية اليابانية حرصت على ألا تجعل لأصحاب رؤوس الأموال خاصية تسلطية على من تحتهم، وأضحى هذا المسلك عقيدة اجتماعية لدى أصحاب رؤوس الأموال أنفسهم، فصاغوا فكرا اقتصاديا قائما على إشراك كل العمال في الوحدة الصناعية أو التجارية في مصير الربح والخسارة، فإذا ابتكر عامل طريقة جديدة لحل مشكل صناعي، نسب هذا الابتكار الجديد إلى كل الوحدة، مع عدم إهمال مكافأة المتميز.

كما أن التنمية اليابانية احتفظت بالطابع الشرقي الذي يعظم مكانة الأستاذ والمعلم، فالعامل الصغير يعظم رئيسه في العمل بمقتضى موروثاته الاجتماعية، مما أكسب العمال ترابطا تلقائيا كسر من حدة أي تسلط رأسمالي على حساب طبقة العمال.

ويمكنك أن تلمح هذا الترابط الاجتماعي في المجتمع الياباني عبر احترام بعضهم لبعض، وحرصهم على أداء التحية اليابانية المعروفة في كل لقاء.

ونحن لسنا بصدد نقد حضارة وثنية مثل الحضارة اليابانية، ولكننا نتبصر في جوانب الخير والحكمة التي هي ضالة المؤمنين، لنتمثلها في أخلاقنا وعاداتنا، فالشرع من ترك من خير إلا وأمر به، وما ودع من شر إلا ونهانا عنه، وقد قال الله تبارك وتعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون} .

وما نحن بصدده الآن أن نوجد ذلك المجتمع المتوحد في معرفة المصير والهدف، وأن نقلل من الخلافات المحتدمة فيه، وأن نوجد الآلية التي نضمن بها اجتماع المسلمين على كلمة سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت