فهرس الكتاب
وقد رأى أحد السلف رجلا يغتابا مسلما، فسأله: هل غزوت هذا العام؟ فقال: لا! فقال: سلمت الروم والكفار من سيفك ولم يسلم المسلمون من لسانك؟
وأرى أن هذا المشهد يحدث بحذافيره، فقد سلم أعداء الله من العلمانيين والشيوعيين وأهل البدع المنكر كالقاديانيين والشيعة الرافضة من ألسنتنا معاشر دعاة أهل السنة، ولم يسلم بعضنا من لسان بعض.
لعمر الله إنها الفاقرة التي تركت الديار بلاقع، والحالقة التي تحلق الدين، وموروثات الهوى ورواسب الجاهلية ما زالت متمكنة في النفوس، وتحتاج إلى قومة لله صادقة، نستأصل بها هذا الدرن، ونصلح بها حنايا القلب، ونحرر النية، ونطهر الطوية، ونمحض القصد، ونمحص الإرادة، والله الموفق والمعين.
إن الصحوة تشهد استقطابا حادا في مسائل فروعية، وليت الخلاف يبقى في دائرته الضيقة الشرعية من مناصحة بالأدلة وتغافر بعد المحاورة واعتقاد ثبوت الأجر للجميع، ولكن الأمر لم يركن إلى شيء من هذه الآداب الإسلامية، بل تعداها إلى تحزب وتناحر، حتى صارت بعض الجماعات توالي وتعادي على مسألة واحدة من فروع المعتقد، وكل ذلك من شؤم الخلاف والفرقة، والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين.
إن هذا - الكتاب أيها القارئ الكريم - يخاطب قلب ووجدان من اعتصره حال الإسلام والمسلمين، وينادي على كل ذرة شفقة في قلوب المسلمين ليقفوا وقفة واحدة أمام أعدائهم، ولن أقول كما يقول بعض الهلاميين: أن ننسى خلافاتنا، فإن هذا ليس معقولا، ولا مشروعا، فالخلاف سنة قدرية، واعتقاد الراجح سنة شرعية، والمعقول والمشروع ألا يكون الخلاف السائغ سببا في الفرقة والتنازع.
وقد نادى بعض الدعاة بتكوين لجنة حكماء وظيفتها تدارك الخلاف بين الجماعات التي تجمعها آصرة أهل السنة والجماعة، بحيث تقوم بدور لجنة المساعي الحميدة بين المتخاصمين والمختلفين من الدعاة أو الأفراد.
وهي فكرة جديرة بالتطبيق، وحري أن يهتم بها ولها كل غيور على دين الله تبارك وتعالى، ولكن في إطار الشرعية العقدية والجماعية التي أصلتها نصوص الشرع ومنهج السلف الصالح في الاجتماع والولاء والبراء.