الصفحة 152 من 214

إن هذه الصورة التي رسمتها لك - أيها الأريب - هي أقرب ما تكون للواقع الذي نعيشه ونحياه، فالناس من حولنا يرون بساتين الصحوة في كل مكان، منهم من يجفل ويخاف، فيرقب من بعيد، فهذا يحتاج إلى تشجيع، ومنهم من يشك ويظن الظنون، فهذا يحتاج إلى إقناع، ومنهم من اقتنع ولكنه واهن العزيمة فهذا يحتاج إلى دفعة، ومنهم من اقتنع واندفع ولكنه انتكس وملّ، فهذا يحتاج إلى شحنة.

وكلما تعمقت في فهم أسرار الحركة الاجتماعية الدعوية والتي أسميها نظرية الكيس الممتلئ [1] ، ستعلم أن الدعوة الفردية من أكثر طرق الدعوة تأثيرا في المجتمع [2] .

ومن باب الاحتراف في خدمة الدين فنحن نطالب كل من تصدى وسيتصدى للدعوة الفردية أن يتسلح بعدة هذه الدعوة، وهي الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

والحكمة وضع الأمور في نصابها، والموعظة الحسنة هي التي لا غلظة فيها، والجدال بالتي هي أحسن هو ما كان مثمرا، لا الجدال العقيم الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتركه [3] .

وسأسوق أمامك بعض الوصايا التي أعتقد أنها من الأهمية بمكان حتى تستطيع ممارسة الدعوة الفردية بصورة أفضل، وبعد قراءتك لهذه الوصايا ستحصل ما يلي - إن شاء الله:

(1) الثقة بالنفس، والثقة في الله.

(2) الاستعداد وعدم الارتجال.

(3) الهدوء والروية وعدم الاستعجال.

(4) التركيز وعدم التشتت وراء الموضوعات الفرعية.

(5) تلخيص نتائج دعوتك للخروج بفائدة واضحة.

(1) فكل إناء بما ينضح، والفرد في المجتمع ما هو إلا كيس يتلقى ما يلقى فيه، فهو إن مر بتلك السلسلة التي ذكرناها فلم يجد من يدعوه أو تخاذل الدعاة عن دعوته فسيجد من يملأ كيسه بقضايا أخرى، ولربما كانت تلك القضايا تصب في العداء للدين، ويكون الخسران المبين عاقبة الذي قصروا في إيصال الحق إلى الخلق لظنهم أن كلمتهم لا تفيد، والواقع أن الكلمة الواحدة لا تفيد، ولكن كلمة منك وأخرى من غيرك ستجعل للمدعو رصيدا ينهض بإيمانه ويدفع بيقينه ليسامت العليين، وما أدراك ما عليون.

(2) في أواخر القرن السابع عشر تقريبا دفع أحد رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية بمحام يسمى هيوستن إلى مقاطعة من المقاطعات المجاورة للولايات المتحدة، وقال له: إن أمريكا تحتاج إلى تلك المقاطعة، وليس عندي من مال ولا عتاد ما أمدك به لتأتي إلي بهذه المقاطعة، فجمع هيوستن ثيابه وذهب إلى تلك المقاطعة واستأجر مكتبا للمحاماة، وفي بضع السنين عبر محاوراته ومقالاته في الصحف ومداولاته مع الوجهاء أقنع شعب تلك المقاطعة أن يطالب الانضمام إلى الولايات المتحدة، وقد حدث المتوقع وتم الاستفتاء، وضمت تلك الولاية التي سموها بولاية هيوستن امتنانا لجهود ذلك المحامي الذي لم يطلق رصاصة واحدة في سبيل ضم مقاطعة تعادل مساحتها مساحة نصف مساحة فلسطين تقريبا، فهل من مدكر؟!! (الخبر مذكور في صناعة الحياة للراشد فليراجع) .

(3) قال صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا) وحمله العلماء على الجدال غير المثمر، أو الجدال مع من حصل اليقين بعدم استجابته وعناده، جمعا بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين} المفيد لجواز الجدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت