فهرس الكتاب
الطريقة الثانية والعشرون
(العناية بالشباب)
إن الدعوة وهي تستحث خطاها في محاربة الجاهلية ترنو إلى من هم أكثر الناس عرضة للافتتان بمظاهرها وتسرّبا إلى مصارفها.
وليس هناك مجال للمراء في أن مرحلة الشباب هي مرحلة نضج الغرائز واكتمال فورتها وتعاظم حاجتها، وأن هذه الغرائز هي التي تتعامل معها النفس إيجابا أو سلبا، أي استجابة أو رفضا، وأن هذا التعامل هو الذي يفرز نوعية الأخلاق التي تتخلق بها تلك النفس.
فالذي تنزع نفسه لشهوة الفرج وتتهاوى حصونه أمام فِتَنِها سرعان ما تُسْتَعْبَدُ نفسُه للخبائث، فيظل أسير شهوته ورهين فتنته، سادانا في محراب الصور، عاشقا للأوهام والخيال، يُمَنِّي نفسه باللذة فإذا هي حسرة وندامة، وشؤم وتَبِعَة.
والذي تُبْهِرُه زخارف الدنيا وبهارجها سرعان ما سيجد حياته مكيّفة على اللهث وراء جمع حطامها ومنازعة كلابها فتاتَها.
إنهم أولئك الشباب الذين عَدِموا التَجْرِبة وفقدوا الحكمة وافتقروا إلى الأناة، فتراهم حريصين أشد ما يكون الحرص على خوض كل مغامرة بذواتهم، ويأبون النصح أشد الإباء، وتغريهم الحيل بسهولة، وتشدهم حبائل الكيد دون رهق أو إلحاح.
أغرار أغمار، لا يعترفون بالخطأ بسهولة، تقلبهم رياح الفتن ظهرا لبطن، يدخلون إلى كهف المعصية لاهثين، ويخرجون منه نادمين منكسرين.
وبنفس الوتيرة النفسية فقلوب هؤلاء الشباب أسرع ما تكون نزوعا إلى الحق وقبولا به وإقبالا عليه وقرارا فيه ومنافحة عنه.
وفي ذلك يقول الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى} : ذكر تعالى أنهم فتية، وهم الشباب، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عَتَوْا وانغمسوا في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا، وأما المشايخ