الصفحة 156 من 214

من قريش فعامتهم بقوا على دينهم ولم يسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابا. أهـ

وذلك لما أسلفنا من أن قلوبهم لم تجرب الحياة ومذاهبها، ولم تُلَوّث تربة فطرتهم بأهواء المصالح وأنانية الذات وحب البقاء، لأنهم ليسوا كالشيوخ أحرص ما يكونون على حياة، بل تراهم أنزع للتضحية من الشيوخ، أسرع للفداء بما عندهم، أخف لنصرة ما يؤمنون به ويعتقدونه.

وقد أدرك صنفان من أعدائنا جلية هذا الأمر وهما إبليس اللعين، وقوى الجاهلية العتيدة من يهود ونصارى ومجوس وغيرهم، فطفقوا يتخذون كل الوسائل في اختطاف هذه الشريحة (أعني الشباب) وتنحيتها عن جادة الحق (على أقل تقدير) أو غمسها في مستنقعات الرذيلة والكفر (على أكثر تقدير) .

ولن تخطيء عيناك الصرعى من أولئك الشباب ممن هوى في ظلمات الكفر السحيق أو انغمس في مستنقعات الفسق الشنيع، أو المكردس أو المخدوش، أما الناجي المسلَّم فقليل ماهم.

لذلك كان من أهم الأولويات التي يجب أن تتبناها الدعوة: العناية بشريحة الشباب، فمما لا شك فيه أن دعوتهم ليست بالمهمة اليسيرة، وخاصة في ظل فتن هذا الزمان، ولكنه سيبقى الحل الوحيد لمواجهة الطوفان الجارف من الانحلال، مع الكفر الذي نراه يزحف أول ما يزحف في شريحة الشباب.

ومخطئ من يظن أن دعوة الشباب قضية عادية لا تستحق أن نفرد لها بابا خاصا، بَلْهَ كتبا مستقلة، ويظن أولئك أن دعوة الشباب مثل دعوة غيرهم، بل إنني أعلم أن كثيرا من الدعاة يتعاملون مع شريحة الشباب مثل تعاملهم مع أي شريحة في المجتمع، ومن الدعاة من يعاملهم مثل الأطفال، وكل ذلك خطأ أقل ما يوصف به أنه تنكب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الشباب.

إن دعوة الشباب وتربيتهم وتخريج الدعاة والعلماء والقادة وحملة الدين من بينهم من أعظم الأمانات والمسئوليات التي نيطت بالدعاة، ولا يدرك خطورة هذا الشأن إلا من عانى هذا الدور وخاض غماره وتجرع من مشكلاته، وصبر على الطريق ثم رأى النتاج وذاق الثمرة.

أجل أيها القارئ الكريم .. إننا معاشر الدعاة يجب أن نوقف المهزلة التي ترتكب في حق الشبيبة، والتي نسميها دعوة، وما هي بدعوة، إن هي إلا نصائح - على الماشي - بينما الكفر والفسق يكيد بليل ويدبر من مكر الليل والنهار ما تزول به الجبال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت