الصفحة 157 من 214

وحتى أوقفك على حجم المهزلة فأنا سائلك: كم هي - ولن أقول: ما هي - المصنفات الإسلامية التي عنيت بمشكلات الشباب وعلاجها بالطرح الإسلامي الرشيد.

بل قل: كم من الدعاة من يهتم بهذا الشأن بحيث يكون مفزعا ومرجعا للشباب يهرعون إليه عندما تعييهم الحيل وتضيق بهم السبل.

لقد عاين كاتب هذه السطور بنفسه في أول النسك مشكلات جمة كان مأتاها عدم وجود المرشد والمربي، وانعدام التصور الواضح لسمات كل مرحلة يمر بها الشاب فكريا واجتماعيا ودعويا، حتى أضحت حياة كثير من الشباب الملتزم - فكيف بغير الملتزم - مجموعة من التجارب الحياتية التي يخرج من كل تجربة منها جريحا منهك القوى مستأنفا طريقة من جديد، ومنهم من يخرج صريعا منتكسا (ولنا مع قضية الانتكاس عود إن شاء الله) .

ليس بكثير على شباب الإسلام أن يتواصى الدعاة فيما بينهم على تعيين مجموعة من بينهم تهتم بأمر الشباب تربويا وفكريا، بحيث يكون همهم الشاغل مشكلات الشباب، ويكونون هم بالضرورة أيضا مرجع الشباب في كل ما يعرض لهم من قضايا وخطوب.

أن وجود لجنة تعنى بقضايا الشباب هي أول خطوة في بناء سد منيع ضد طوفان الإباحية والانحلال الذي تواجهه مجتمعاتنا الإسلامية الآن، وليس يخفى أن أول الصرعى من هذا الطوفان هم الشباب، إدمان وفجور وشذوذ وزندقة وعلمنة وإلحاد بل وعبادة للشيطان، فماذا ننتظر بعد كل ذلك؟ هل ننتظر حتى نرى الشيطان باديا بخلقته يخطف الشباب عيانا لنبدأ التحرك؟!!

ومن وظائف تلك اللجنة تحديد القضايا ذات الخطر وتبني الأولويات في مشكلات الشباب وطرح سبل العلاج - بمشاورة أهل العلم - ووضع تصور واضح لمراحل دعوة الشباب مع تصور واضح لأهداف كل مرحلة ووسائلها [1] .

(1) إن بعض الدعاة للأسف الشديد يتعامل مع الشباب بسذاجة شديدة، ويظن أنه بنصيحة عابرة يمكنه أن ينجب لنا صلاح الدين الأيوبي، والواقع الأليم يشهد بأن مشكلات الشباب صارت من التعقيد بمكان بحيث لا تحتمل الدور الدعوي الهزيل الذي كنا نقوم به أيام كانت الفتن تمشي الهوينى، بل يحتاج الأمر إلى معاجلة خاطفة ومعالجة راقية تتناسب طردا مع حجم الفتن التي يتعرض لها الشباب، وقد أسر إلي الكثير من الشباب بأنهم كانوا على شفير جرف هار، وكانوا يحتاجون إلى يد قوية وعزم أكيد يجتث لوثة الفجور من قلوبهم ولكنهم وجدوا برودة من بعض الدعاة في فهم حجم مشكلاتهم، بل برودة في علاجها، إلى القدر الذي حملهم على تفضيل المضي في الفجور عن أن يخوض تجربة نسك غير واضحة المعالم.

نعم .. إنه واقع أليم يجب أن نعترف به قبل أن نبدأ العلاج، وإلا فلا علاج، إننا على وشك الدخول في قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول، وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} ، إن لم نكن دخلنا بالفعل.

ودعوة الشباب لا بد لها من التصور الواضح الذي ذكرناه، يجب أن يحدد المربي المراحل التربوية التي سيقوم بها مع الشاب، ويحدد كل مرحلة متطلباتها ويتوقع مشكلاتها، ولا يظل أسير ردود الأفعال والظروف، ثم إن ذلك المربي يطور نفسه ويبحث كل يوم عن أفضل السبل للرقي بمستوى من يربيه ويعنى بشأنه.

ومن صفات المربي الصادق أن يعتقد أبوته لكل من يربيه، فيسبغ عليهم من الشفقة والحرص مثل ما يسبغ على نسله بل أكثر، وليس بمرب من يرى أبناءه صرعى الفتن والشهوات وهو عن ذلك عَمٍ وغافل.

إن المربي الصادق من يأرق في الليل من حال من أسرته فتنة، ويضنيه رهق إيماني ألم ببعض من يربيه، وتَهْمِي عبراته إذا رأى شبيبة الإسلام يتخنثون وعن نهج محمد صلى الله عليه وسلم يتنكبون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت