فهرس الكتاب
(8) التربية على العزائم، والحذر من مسلك المترخصين، فالدعاة قادة المجتمع، واجتهادهم محل نظر العامة والخاصة، فلزم أن يُرَبَّوا على معالي الأمور، وتوطن نفوسهم على الصعب لا الذلول، وذلك في كل مجال يسلكه المربي مع من يربيه. ففي مجال العلم يجب أن يدرب الشاب على بعض العزمات في طلب العلم مثل الإقلال من الطعام والنوم، وفي مجال العبادة يجب أن يتعاهد نفسه ببذل أقصى الطاقة في الاجتهاد، ويكون ذلك بمثابة تمارين يلين بها قسوة قلبه بين الحين والحين، ولا يليق أن يكون داعية المستقبل كثير الشكاية من طول صلاة التراويح في رمضان، أو دائم التململ من كثرة الأبحاث التي أُلزم بإعدادها. بل ينبغي أن يتمرس على تلقي المهام الصعبة وتنفيذها دون شكاية.
(9) طاعة المربي من الصفات المهمة التي يجب أن تغرس في الشاب أول النسك، ومنشأ هذه الطاعة الاحترام والتعظيم لمقام شيخه ومربيه، وهذا مما يدعو له الإسلام ويحث عليه. ولا يليق بالملتزم أن يعامله مربيه معاملة العوام والسوقة، واحترام العالم والشيخ والمربي مما يجلب البركة في العلم ويحدث عظيم الأثر في الانتفاع من الشيخ. ومن لوازم ذلك أن يفهم الشاب أن الشيخ بشر ككل البشر، وليس بكامل في الصفات والأعمال، وبالتالي فليس متصورا أن يكون معصوما من أي خطأ، وأنه متى رأى خطأ فإن أمكن التأويل الشرعي السائغ تأول، وإلا لزم أن يدعو الله بستر عيوب شيخه عنه، وأن ينفعه بعلمه وقدوته.
(10) التوازن في المقاصد من أهم ما ينبغي مراعاته طوال فترة التربية الأولى، فيجب على المربي أن يعنى بالجوانب التي ترطب القلب، وتمنع عنه الإياس والقنوط، فليس مشينا أن يمنح المربي من يربيه بعض الوقت للهو المباح، وليس قادحا في المروءة أن يشاركهم الضحك والتبسم فيما لا يوقع في مأثم أو مغرم، بل إن ذلك أدعى إلى انصهار المربَّى مع المربِّي، وإفضائه لأسراره ومشكلاته لشيخه فيمكنه التداول معه في حلها وعلاجها. وكثير من المشايخ يقيم سياجا منيعا من الوقار والحشمة الزائدة التي تنقلب مع مرور الأيام إلى عتو ونفور. لقد كانت في أخوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبوته الحانية على الصحابة مثلا لكل مرب في منهج التربية، وحري بكل مرب أن يهجر التكلف ويربي الشباب على عدم التكلف أيضا، فالتكلف في كل أمر مذموم، والمناسب أن يتعامل المربي مع الشباب من منطلق الأبوة الروحية التي تكسبه احتراما ووقارا تلقائيا، ويبقى على المربي أن يزيل الجليد بعد ذلك بمداخلاته ومناقشاته ومحاولته لفهم الشاب الذي يريد أن يربيه.