فهرس الكتاب
خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ... . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى. فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَوَ مُخْرِجِيَّ هم؟! قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي. رواه البخاري.
إن المرأة عنصر مكمل للرجل في كثير من مناحي الحياة، لا جرم جعل الله السكنية الكاملة في التقائهما ومعاشرة أحدهما للآخر [1] .
ومظهر البطولة في حياة خديجة أنها كانت أول من آمن به وأسلم من النساء، والحق أنها أول من آمن من البشر بالنبي صلى الله عليه وسلم. يدل عليه حديث عائشة السابق، وكانت أول من أيد ونصر وثبّت، ثم كانت أول من بذلت مالها وبيتها وحياتها لدين الله تبارك وتعالى.
وإذا تقررت هذه المعاني، فإننا نستطيع أن نفهم: كيف يمكن للمرأة أن تكون أداة لخدمة دين الله تبارك وتعالى.
إن الدعوة الإسلامية للأسف لم تستطع حتى الآن أن توجد المعادلة الصائبة لتقوم المرأة بدورها في الدعوة إلى الله تبارك وتعالى.
ومن خلال تجربتي الدعوة أيقنت أن المرأة في كثير من الأحوال أقدر على إصلاح الأسرة من الرجل، ودورها في إصلاح العوج والمعونة عليه في معظم الأحوال - إذا كان في نطاق الأسرة - أعظم من دور الرجل.
وقد علمت أسرا ينقلب حالها من الجاهلية إلى الالتزام بأحكام الدين عندما تبدأ الزوجة في النسك والتوبة، وكم رأيت من أولاد صغار أينعت في قلوبهم شجرة الإيمان لأن الغرس قد طاب
(1) وفي كتاب: عودة الحجاب للشيخ محمد إسماعيل نماذج فذة من نساء السلف ممن ضربن المثل في البطولة والريادة، حري بنساء هذا الزمان أن يقتدين بهن.