الصفحة 173 من 214

ومنذ خمسة عشر عاما تقريبا أحضر إلي بعض الأصدقاء طفلا لم يتجاوز عمره السابعة، وقال لي ذلك الصديق إن هذا الطفل من بيت مغرم بمايكل جاكسون وقد شاهد هذا الطفل كل رقصاته وسمع كل أغانيه، ثم فاجأني ذلك الصديق بطلب غريب فقال: لو سألت هذا الطفل - وهو مسلم للمعلومية - تحب الله أكثر أم مايكل جاكسون؟ لأجابك بالعجب. فلما سألته هذا السؤال، ويبدوا أنه يُسْأَلُ عنه كثيرا أجاب بما يذهب اللب ويجن له العقل.

إن هذا الطفل الذي لم يبلغ الحلم ليس له من ذنب أن يقول إنني أحب مايكل جاكسون أكثر من الله، ولكن الذنب على المجتمع الذي أوجد صبغة وهوية لهذا الطفل تستسيغ أن تحب المخنثين (وسأغض الطرف عن الكفرة والفجار) .

إن هذا الهوس الذي يبرز في مجتمعاتنا كمظهر من مظاهر الانحراف الأخلاقي يتمادى في تأثيره ليصل إلى براءة النشء الصغير وفطرته الطاهرة فيغتالها بدعاوى العصرنة والتطور والموضة.

من لهؤلاء الأطفال؟ من الذي سيحميهم من هذه الموجات الجارفة؟ من الذي سيتقلب أرقًا

لملايين الأطفال الذين تستعبدهم تقاليد مجتمع منهزم مخذول؟

إننا بصدد خيانة جماعية يمارسه الآباء والأمهات لهؤلاء الأطفال، فلم يعد أحد من المسلمين

يأبه لهم أو يلتفت للأخطار المحدقة بهم، ومما زاد الطين بلة ذلك الميراث الأخرق الذي أجتناه الناس

من المدنية الحديثة ألا وهو مذهب الأنامالية، فصار كل امرئ يقول: نفسي نفسي، وإذا ما رأى أطفال المسلمين يتهاوون من حوله لا يتحرك له ساكن، ولن يتحرك حتى يصاب في ولده نفسه.

وهكذا صرنا نرى الأسر يقع أبناؤها صرعى الإدمان وعصابات المجون وعبدة الشيطان والشُّذّاذ، فلا يتحرك لإصلاحهم غيور، حتى إذا ما وقعت الفأس وبانت الرأس عضوا الأنامل من الندم.

إن أطفال المسلمين مسئولية كل المسلمين، ومستقبلهم هو مستقبل الإسلام نفسه، ومن يغامر في إهمال مستقبله فهو سفيه يجب أن يحجر عليه، ويعامل معاملة السفهاء. لم يعد الأمر يقبل تطييب الخواطر، ولو ملكت من الأمر شيء لأسقطت ولاية كثير من الآباء لأبنائهم، فما هم بآباء، بل والله ما هم من البشر الأسوياء. [1]

(1) إن بعض الآباء والأمهات يستحقون أن نشبههم بالذئاب التي ترعى الغنم، فمجتمعاتنا لم تعد تعر للمثل والقيم احتراما، فلا بأس أن يشجع الأب ابنته على هواية السباحة، ويتباهى أمام الناس بأن ابنته بطلة سباحة، وآخر إذا سمع أن ابنه شرب الدخان أو زنا أو شرب الخمر قال: (طيش شباب وبكره يعقل) ، وأم تذهب إلى الموجهة الاجتماعية في المدرسة وتكيل لها من اللوم والتقريع ما تكيل لأن تلك الموجهة تجرأت وأخطرت الأم أن ابنتها تقابل شابا غريبا خارج المدرسة وأنها تكلمه على الدوام دون حياء، والأعجب أن الأم عللت تصرف ابنتها بأن هذا ضروري حتى تخوض البنت تجربتها في الحياة!

إنها أمثلة حقيقة وحية وليست من دراما التلفاز والسينما، وهي تلقي ضوءا ساطعا على نماذج الآباء والأمهات المضيعين لذرياتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت