الصفحة 58 من 214

وبعد .. فإن الصلاح حركة ذاتية في أعماق النفس حيث تتفاعل الإرادات، وتتجاذب الأهواء وتتعارك النوازع، وينتصر في النهاية العزم القوي.

والنفس الطاهرة هي التي تسمو على الخبث، وتتجذر في تربتها قيم الحق، ويمكث في أرض فطرتها ما ينفع الناس، {وأما الزبد فيذهب جفا ء} ، فأكرم بها من نفس تلك التي اسْتَعْدَتْ على شهواتها جنود الإرادة، وقفزت على أسوار المصاعب تتسنم ذرى المعالي والمكارم، تخوض حرب التزكية واثقة أنها ستخرج من المعركة بنصر مبين وفلاح أكيد فـ {قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} ، لا تتهيب من مساءة شانئ أو ملامة عاذل، قد أركزت أوتاد الحق في أرض العزم الوثيق، وتغلغل اليقين يسري في همة متعاظمة كما سرى المداد في الماء القراح.

ومن باب رد العجز إلى الصدر .. نقول: إن كل مكلف يستطيع أن يخدم الدين بأن يكون عبقريا في درب من دروب الاستقامة، فذا في سبيل من سبل المرحمة، يتخصص في شأن من شئون الآخرة كما يتخصص الناس في مفردات شئون الدنيا.

وقد أشار إلى هذا المعنى نبينا صلى الله عليه وسلم حيث قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) . رواه البخاري ومسلم.

وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) . رواه البخاري ومسلم.

الطريقة الثالثة

(التنوع في وسائل الدعوة)

قد مر معنا أن الدعوة معنى شامل لكل فعل يرغب الناس في دين الله تبارك وتعالى مما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وهي بهذا المعنى تأبى أن تنحصر في هيئة الموعظة سواء تشكلت في صورة الخطبة أو الدرس أو نحو ذلك.

والعجب الذي لا ينقضي من أناس أرادوا أن يحصروا مفهوم الدعوة في خطبة الجمعة ودرس العلم في المسجد، ناسين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظ على القبر وفي سوح القتال، بل وعظ الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت