فهرس الكتاب
من الذي رسم القانون الذي به أُلزم الناس ألا يروا أهل العلم إلا في مقام الوعظ، وألا يسمعوا آيات الله تتلى إلا عن طريق الدرس أو المحاضرة، بل من الذي يلزم الدعاة أن ينصهروا في هذه البوتقة فلا يخرجون منها ولا يحيدون عنها.
إن نصوص الشرع - من القرآن أو السنة وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع سلف الأمة الصالح - تشير بوضوح إلى أن الدعوة الإسلامية لابد أن تكون جارفة غازية، لا تقف عند هيئة ولا تتحجر عند تَمثال مكرور، ومع مراعاة الضوابط الشرعية التي تحدثنا عنها فإن الدعوة لا بد أن تنطلق في أفق رحيب، تقاوم الباطل وإلحاده، تهاجم عرش الكفر وتهزه بثبات ورسوخ، وليس ذلك يأتي إلا بتلمس الوجوه التي بها نلج إلى قلوب الناس، ومعرفة الفنون (الأنواع) التي بها نحوز قناعاتهم.
وتأمل في القرآن كيف يحكي الله عز وجل قصة نبي من أولي العزم من الرسل، أعيته الحيل في إسماع قومه صوت الحق، فما برح يبتكر الوسائل ويتحين الفرص بها يجهر بالدعوة، ذلكم هو نبي الله نوح، قال عنه الله تبارك وتعالى: {قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا، فلم يزدهم دعائي إلا فرارا، وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا، ثم إني دعوتهم جهارا، ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا} .
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: وهي صورة لإصرار الداعية على الدعوة وتحين كل فرصة ليبلغهم إياها .. ومع الدأب على الدعوة وتحين كل فرصة والإصرار على المواجهة اتبع نوح عليه السلام كل الأساليب، فجهر بالدعوة تارة ثم زاوج بين الإعلان والإسرار تارة .. وفي أثناء ذلك كله أطمعهم في خير الدنيا والآخرة، أطمعهم في الغفران إذا استغفروا ربهم، فهو سبحانه غفار للذنوب .. وأطمعهم في الرزق الوفير الميسور من أسبابه التي يعرفونها ويرجونها وهي المطر الغزير .. كما وعدهم برزقهم الآخر من الذرية التي يحبونها - وهي البنين - والأموال التي يطلبونها. أهـ
وكما كان التنوع مسلك الأنبياء من قديم، فقد رأينا سلف الأمة ينهجون ذات المنهج في خدمة دينهم. تأمل حركة التصنيف في بدايات القرون الأولى، وكيف أنها بدأت بكتابة المصحف ثم جمع الحديث وكتابته، ثم إفراد الصحيح ثم جمعه على أبواب السنن، ثم جمعه على أسماء الصحابة ثم على أسماء الشيوخ، واستتبع ذلك ضرورة معرفة الرواة الثقات من الضعفاء فتكلموا في الثقات والضعفاء وأحوالهم وتواريخ ولادتهم ووفياتهم.