فهرس الكتاب
وإذا عرجنا على باب آخر غير العلم وجدنا كيف أن سلفنا الصالح كانوا أول من أسس فن إدارة دور العلم، وإذا طالعت كتاب الدارس في تاريخ المدارس أو تاريخ البداية والنهاية لابن كثير لوقفت على المستوى الراقي الذي وصلت إليه فنون الإدارة في زمان كانت أوروبا تخبط خبط عشواء.
ولو قرأت كتاب: شمس العرب تشرق على الغرب للمستشرقة الألمانية زيغريد هونكه لعلمت أن حضارة المسلمين لم تقم على الأماني والأحلام، بل قامت على سواعد أقوام أخذوا بأسباب المدنية، وتنافسوا في خدمة دينهم ليعلو صرحه وتشمخ هامته فتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
وقد مر معنا في (احتراف خدمة الدين) اجتهاد جماعة التبليغ في التفنن في طرق وأساليب الدعوة والوصول إلى قلوب الخلق وتلمس كل الوسائل الممكنة للدعوة إلى الله.
والتنوع ليس مزاجا مطاعا أو هوى متبعا، ولكنه علم وذوق، ثم دربة ومنافسة، إذ لا بد من معرفة أوجه النفع والقصور في كل وسيلة من وسائل الدعوة، ولا بد من وجود الإحصائيات التي تفيدنا في معرفة الإيجابيات والسلبيات، ثم إن طرح البدائل مسبقا مع دراستها وتمحيصها (كما هو معلوم في علم الإدارة) له دور في تلافي الفشل الذي يعتري الوسائل القاصرة.
ولذوق الداعية دور مهم في جماليات الوسائل حتى تكون ذات رونق يتميز به الداعية المسلم عن غيره. أما منافسة الداعية لغيره ودربته في تنويع وسائله فعاملان مهمان في شحذ الهمم والإمكانيات واستنباط الأفكار الجديدة والعبقرية.
وليس يغيب عنا أن ننبه أن الجهد الجماعي في تنويع وسائل الدعوة أثرى وأغزر في الفائدة من الجهد الفردي، كما أن قضية التنوع وغيرها من ملامح دعوية مرتهنة بقضية العمل الجماعي ولا ريب، فقد برهنّا أن جهد الجماعة محاط برعاية الله مشمول بعنايته ومباركته.
ونختم هذا الفصل بتوصيات عملية تفيد قضية التنوع بالنسبة للداعية:
(1) ضرورة فهم مبدأ الابتكار في الوسائل الدعوية وأنها مشروطة بشروط شرعية حتى لا تدخل في دائرة الابتداع، والمعنيّ: أن الدعاة يجب أن يفرقوا بين ما هو مسموح وغير مسموح في وسائل الدعوة حتى يستطيعوا الإبداع دون تهيب من حساسية الابتداع (إبداع دون ابتداع) .
(2) صقل الخبرات الدعوية بالأساليب الآتية: