فهرس الكتاب
وطالب العلم الذي بإمكانه أن ينفع دعوته ودينه هو الذي يسلك جادة العلم بجد، وينأى بنفسه عن أماني الحالمين، وخطو الكسالى الخاملين.
ومن أجل رفع معنويات طلبة العلم وحفز هممهم فيجب ألا يترك لهم طريق الطلب يتخبطون في دياجيره وأساليبه المختلفة المتباينة، بل يجب أن توضع مناهج الطلب بإزاء تيسير الشيوخ المتخصصين الذين سيكون لهم اليد الطولى في توجيه الطلبة.
والآفة التي يعلمها كل طلبة العلم الآن أن مسيرة طالب العلم - إذا كانت له مسيرة أصلا - متروكة لهواه ومزاجه الشخصي، فهو يقرأ اليوم كتابا فإذا مله أو وجده ثقيل الدم استساغ الترحل عنه إلى كتاب آخر دون استشارة شيخ أو انتهاج منهج.
وآخرون يقرءون الكتب التي اشتهرت بين العلماء دون اعتبار لمستواهم وإمكانياتهم في فهم أو هضم المعلومة، وآخرون يقرءون الكتب ذات التجليد الجميل والغلاف الخلاب، فإذا ما كان الكتاب ذا ورق أصفر أو تجليد منفر نفرت منه قلوبهم وتذرعوا بأن أعينهم لا تطيق النظر إلى الكتب الصفراء.
والأمزجة في هذا الباب لا حصر لها، وقد عانيت شخصيا أثناء الطلب من بعض هذه الأمزجة الهوائية - لقلة الشيوخ والموجهين آنئذ - ولا شك أن هذا المسلك من شأنه أن يكون عائقا كبيرا في اتجاه تخريج طلبة العلم الجادين المثابرين.
وفي مقابل هذا المزاج الهوائي لطلبة العلم فإننا نجد بعض الشيوخ والعلماء والدعاة - للأسف - يساهمون بدور ذي بال في تقعيد هذا المسلك وتقنينه، وذلك عن طريق انتهاجهم نفس الطريقة في التدريس، فبعض الشيوخ لا يثبت على كتاب، فهو كالحال المرتحل، بل ربما لا يثبت على علم واحد، وإنما هو موسوعي [1] مثل القاموس المحيط والقابوس الوسيط الجامع لما ذهب من كلام العرب شماطيط [2] .
وآخر من العلماء والشيوخ لا عناية له بتلامذته ومريدي علمه، فهو يلقي لهم بالمعلومات ولا يبالي فهمها فاهم أو أخطأ في تلقيها ساذج، وربما توجد عنده عبقريات فذة لا يلقي لها بالا.
(1) وموسوعية العالم أو الشيخ لا تشفع في تخريج طلبة العلم الأقوياء في مادتهم، لأنه بتنقله وعدم مواظبته على علم واحد وعدم تدرجه في تلقين المادة سيجد أن الطلبة حصلوا علوما غير متناسقة وأفكارا غير مرتبة، فتقل الاستفادة أو تنعدم. وما زال سلفنا وعلماؤنا - بَلْهَ مناج التعليم الحديث - تنصح بالتدرج والانتقاء ومراعاة المستويات في العملية التعليمية، ولهم في ذلك عبارات شهيرة مثل قولهم: من ثبت نبت، وما ورد عن بعضهم في تفسير قوله تعالى: {كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} قال: يعلمون صغار العلم قبل كباره.
(2) هو اسم القاموس المعروف في اللغة للإمام الفيروزبادي.