فهرس الكتاب
وآخر همه تلقين العلم الشرعي دون أدبه، فيتخرج تلامذته كالخشب المسندة أو العظام النخرة أو كأعجاز نخل خاوية، ولربما كان أول من يحاربه ويعارضه ويهاجمه هم تلامذته لأنهم لم يتنشأوا على احترام أهل العلم وتوقير حملته. وقد رأينا في عصرنا من طلبة العلم من نشأ على هذه الشاكلة فأرداه سوء منهجه في الوقيعة بالعلماء والأئمة وسبهم والحط من أقدارهم [1] .
وآخرون كثر ليسوا بعلماء ولا أنصاف علماء، ولكنهم متطفلون على موائد العلم، شعارهم: قلت وعندنا (ومن أنتم حتى يكون لكم عند؟!!) ، وهذا الإمام لم يفهم الحديث، وذلك الصحابي قوله مردود، ونحو ذلك من العبارات التي لا طعم لها، ولكنها خرجت من أفئدة خاوية من توقير العلم وأهله، ومن عقول مفلسة من العلم وعدته [2] .
إن هذه الآفات الناهشة في نسيج الصحوة يجب أن تستأصل من الجذور، وتستبدل بالمثل الكاملة التي كان عليها سلف الأمة، فلن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك رحمه الله.
ولقد شهدت الصحوة تجربة المعاهد العلمية الخاصة التي استظل بها كثير من طلبة العلم دهرا ثم قلب لها الطغاة ظهر المجن حينما رأوا الأثر الجارف الذي أحدثته في الصف الإسلامي، بل تواصل زحف الطغاة إلى الدعاة في بيوتهم لأجل منع دروس العلم وتجفيف أي ينبوع حكمة في المجتمع الإسلامي وإطفاء كل شعاع ينبثق في زاوية من زواياه، وليس من شيء نتسلى به ونتعزى إلا قول الله تعالى: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} ، وقال: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} .
ولكن ذلك لا ينبغي أن يفت من فؤادنا أو ينال من عزيمتنا، فإن العلم كما أسلفنا استراتيجية لا تراجع عنها، ويجب أن نستغل كل الوسائل الممكنة للرقي بمستوى المنتمين إلى الصحوة علميا حتى ولو كان بابتكار المناهج التعليمية الجديدة والجادة التي تعالج الوضع المنقوص الذي نعيشه ونحياه.
وقد كان لكاتب هذه السطور معاناة لمأساة طلبة العلم، فتم وضع منهج يعالج إشكاليتين حاصلتين، الأولى: إشكالية عدم وجود العلماء أو قلتهم أو عدم تفرغهم الكامل لطلبة العلم،
(1) وفيهم ولأجلهم صنف الشيخ العلامة محمد إسماعيل كتابه: الإعلام بحرمة أهل العلم في الإسلام.
(2) وفيهم ولأجلهم صنف الشيخ العلامة بكر أبو زيد كتابه: التعالم.