فهرس الكتاب
والثانية: إشكالية نوعية الكتب التي يجب قراءتها في كل علم مع اعتبار المرحلية والتدرج في الطلب والتحصيل.
فعلى صعيد قلة العلماء عالج المنهج قضية التلقي باعتبارها الأساس الذي اشترطه السلف الصالح في اعتبار العلم، حتى قال قائلهم:
من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة ... يكن عن الزيغ والتحريف في حرم
ومن يكن آخذا للعلم من صحف ... فعلمه عند أهل العلم كالعدم
وذلك بتقنين قراءة الطلبة للكتب [1] ، عن طريق التدرج في مستوى الكتاب حتى تقل نسبة العبارات الغامضة والمسائل الصعبة، مع اشتراط وجود الشيخ المتابع الذي يجري اختبارات شفوية وتحريرية ويشرح عينات مختلفة من الكتب أو العناوين التي يقرؤها الطالب.
وعلى صعيد نوعية الكتب فقد تم اختيار الكتب التي يسهل قراءتها (مع الحرص أن تكون نسبة كبيرة منها من كتب التراث الأصيل) وتصعيد مستواها مرحليا بعد نجاح الطالب في اجتياز الاختبار التحريري والشفوي.
وتضمن المنهج بحثا مختصرا في كيفية الاستفادة من قراءة الكتب، تم فيه تقعيد أسس القراءة النافعة، والوسائل العملية لتحصيل أعظم فائدة للقارئ العادي والمتوسط والعالي المستوى، وكل ذلك عن طريق أبحاث نفسية واجتماعية تم الاستفادة منها وتأطيرها في إطار شرعي إسلامي [2] .
(1) أما اشترطه البعض من ضرورة الرواية وعدم الاعتداد البتة بمن أخذ علمه من المطالعة فهذا في زمن الاختيار، وزماننا يحتاج إلى فقه النوازل الذي يعتبر الضرورة ويلحظ المصلحة بالأخذ ما يحصلها أو يتممها، ويراقب المفسدة بالأخذ بما يدرؤها أو يقللها. ويمكن لمن عدم الشيوخ بمرة أن يستعيض بأشرطة أهل العلم في شرح الكتب ليحصل الدربة على كيفية مطالعة الكتب وفهم عبارات المصنفين القدماء. وله أصل عند المحدثين وهو الرواية بالوجادة، قال السيوطي في التدريب (2/ 60 فما بعده) : القسم الثامن الوجادة، وهي مصدر لوجد مولد غير مسموع من العرب، وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها لا يرويها الواجد فله أن يقول وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتابه بخطه حدثنا فلان ويسوق الإسناد والمتن، أو قرأت بخط فلان عن فلان، هذا الذي استمر عليه العمل قديما وحديثا، وهو من باب المنقطع وفيه شوب اتصال، وجازف بعضهم فأطلق فيها حدثنا وأخبرنا، وأنكر عليه، وإذا وجد حديثا في تأليف شخص، قال: ذكر فلان، أو قال فلان: أخبرنا فلان، وهذا منقطع لا شوب فيه، وهذا كله إذا وثق بأنه خطه أو كتابه، وإلا فليقل: بلغني عن فلان أو وجدت عنه ونحوه، أو قرأت في كتاب أخبرني فلان أنه بخط فلان، أو ظننت أنه خط فلان، أو ذكر كاتبه أنه فلان أو تصنيف فلان، أو قيل بخط أو تصنيف فلان، وإذا نقل من تصنيف فلا يقل قال فلان إلا إذ وثق بصحة النسخة بمقابلته أو ثقة لها (أي: أو بمقابلة ثقة لها) ، فإن لم يوجد هذا ولا نحوه فليقل بلغني عن فلان أو وجدت في نسخة من كتابه ونحوه، وتسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بالجزم في ذلك من غير تحر، والصواب ما ذكرناه، فإن كان المطالع متقنا لا يخفى عليه غالبا الساقط أو المغير رجونا الجزم له، وإلى هذا استروح كثير من المصنفين في نقلهم، أما العمل بالوجادة فنقل عن معظم المحدثين المالكين وغيرهم أنه لا يجوز، وعن الشافعي ونظار أصحابه جوازه، وقطع بعض المحققين الشافعيين بوجوب العمل بها عند حصول الثقة، وهذا هو الصحيح الذي لا يتجه هذه الأزمان غيره. أهـ
(2) وأسأل الله عز وجل أن ييسر لي تجميع وترتيب المادة العلمية لهذا المنهج والبحث، حيث نأت الديار عن أصول هذا البحث ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.