فهرس الكتاب
وقد نطق بذلك الوحي كتابا وسنة، فقد قال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) رواه الترمذي والحاكم وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع.
وما أحوج الدعوة إلى مثل أصبع محمد بن واسع رحمه الله تشكو إلى الله غربة الدين، وتستنزل نصره ومدده. وما أحوجنا إلى ذاك الخفي النقي التقي الضعيف المتضعف الذي لو أقسم على الله لأبره.
إن جهود هؤلاء الداعين ليست بأقل من جهود من ينكر المنكر بكل جوارحه، أو من يواجه صناديد الكفر والنفاق في كل ميدان، وليست بأقل من جهود الخطباء والوعاظ وكل داعية في كل ميدان، بل هم الجنود الأخفياء الذين علامة صدقهم خفاؤهم، وحري بغيور أن يجتهد ليصل إلى مثل ما وصل القوم، من باب البذل لدين الله تبارك وتعالى.
ولا مجال أن نعدد ههنا ما ورد في استجابة الله لعباده، حتى ما ظهر من الكرامات في هذا العصر، فهو مما لا يخفى على أحد، وذلك أننا - وكل مؤمن حق - لا يربط الاستمرار في الدعاء بحصول الإجابة، فهذا شأن المنافقين أو الكافرين الجاحدين لقدرة الله تبارك وتعالى، بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من موانع الإجابة، فقال صلى الله عليه وسلم: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي) رواه البخاري ومسلم.
كما أن الإلحاح في الإجابة يجب أن يكون دأب كل الدعاة إلى الله تعالى، وهو شأن علاقتهم بالله القائمة على دوام المناجاة والاجتهاد والتضرع.
وقال الأوزاعي يقال: أفضل الدعاء الإلحاح على الله والتضرع إليه. رواه البيهقي في شعب الإيمان.
وعن عبدا لله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر رضي الله عنه فقال: أما بعد أوصيكم بتقوى الله، وأن تثنوا عليه بما هو له أهل، وتخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاح بالمسألة، فإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته، فقال: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين} [1] .
(1) رواه هناد بن السري في كتاب الزهد (1/ 283) .