الصفحة 84 من 214

وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا .. } : وفي الحديث إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن أي ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد وهذا هو الواقع أهـ

إن مناصب الحكم قد جعل الله تبارك وتعالى فيها من التسلط والقهر - بحكم عرف الناس ومواثيقهم التي جبلوا عليها - ما لم يجعل في غيرها من المناصب. وإذعان الناس لرأي السلطان والقوة أعم وأفشى من إذعانهم لرأي ذي الحجة والبينة.

ولما أراد الله تبارك وتعالى انقياد القلوب إليه بالرسالة الخاتمة لم يرسل رسولا مَلِكا بل عبدا رسولا متواضعا، يأمر من موقع رساليته، ويوجه من منطلق إبوته البشرية العامة، وما ذلك إلا ليكون إقبال الناس بقلوبهم لا بأبدانهم.

ولكن ذلك لم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بأسباب القوة ويقيم قواعد الحكم والسياسة الشرعية التي ألزم الناس أن ينضووا تحت لوائها، ولم يترك لأحد الاختيار في شأن الطاعة المطلقة له كرسول وحاكم يحكم بما أنزل الله تبارك وتعالى. [1]

ومجتمعاتنا الإسلامية في الغالب ما زالت تحافظ على الشعائر الظاهرة أو تحترمها في الجملة، كالصلاة والحج ونحو ذلك، ولا بد أن يستغل الدعاة هذه العقيدة الاجتماعية في إحياء شعائر الإسلام ليصطبغ المجتمع بصبغة الدين، وتعلو كلمة الله على الدين كله.

وأقوم ما يمكن سلوكه لبث هذه الشعائر في ميادين المجتمع أن نستعين بأولياء الأمور من ذوي المناصب الرفيعة والنافذة، ونحفز غيرتهم على الدين، ونستنفر شعورهم الإسلامي الدفين، مطالبينهم القيام بأمر الله تبارك وتعالى في حق الممكنين في الأرض حيث قال عز من قائل: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} . قال الحسن وأبو العالية: هم هذه الأمة إذا فتح الله عيهم أقاموا الصلاة وقال ابن أبي نجيح: يعني الولاة وقال الضحاك: هو شرط شرطه الله عز وجل على من آتاه الملك، وهذا

(1) هذا الكلام نخص به من يجادلون في أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام دعائم الدولة الإسلامية والحكم الشرعي، ويريدون أن يثبتوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم في حقيقة الأمر لم يكن إلا رسولا كما قال هو عن نفسه، ولا شك أن هذه مغالطة منشؤها الخطأ في فهم مقصود الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم الاستدلال بالنصوص الأخرى القاطعة في هذا الصدد.

ومنه قوله تعالى: (وأن احكم بينهم بما أنزل الله) وقوله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) . وقد أجمع العلماء على أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين الناس بالشرع المطهر، وحكم بينهم بمقتضى نصوص الوحي التي نزلت إليه، وأن ذلك لم يقتصر على شئون العبادة، بل تجاوز إلى كل شئون الحياة كالسياسة والاقتصاد والأحوال الشخصية وأحكام السلم والحرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت