الصفحة 87 من 214

وأبو بكر الصديق رضي الله عنه خرج من ماله كله، والعظة فيه أقوم، ولكن الناس إذا سمعوا من يستخدم فئة المليار في التبرعات تعجبوا، وإذا كان كافرا زاد العجب، وإلا فإن خروج أبي بكر من ماله كله أوقع أثرا في القلب، وقد قال في ذلك الموقف لما سأله الرسول صلى الله عليه وسلم: (ماذا تركت لأهلك يا أبا بكر؟) قال: تركت لهم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.

ولعمري فإن هذا هو المال المبارك: ما أنفقه صاحبه في سبيل الله، ولو كان به خصاصة، لا يرجو من الناس جزاء ولا شكورا، {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} ، ثم لا يتبع ما أنفق منا ولا أذى، أولئك {لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} .

إن استثمار المال في كل مجال دنيوي محفوف بمخاطر الإفلاس والسرقة وإتلاف الجوائح واختلاس الخونة وكساد السلع وإعراض المشتري ومنافسة السوق، أما التجارة واستثمار المال في الدعوة إلى الله ونصرة الدين فمن أضمن الاستثمارات، فأصحاب هذا المال {يرجون تجارة لن تبور} وأصحاب هذا الاستثمار هم الآمنون يوم الخوف الأكبر، ولنتعظ ببذل أبي بكر الصديق للدين، ولنعتبر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نفعني مال قط إلا مال أبي بكر) قال أبو هريرة: فبكى أبو بكر، وقال: وهل نفعني الله إلا بك، وهل نفعني الله إلا بك، وهل نفعني الله إلا بك. رواه أحمد والترمذي وابن حبان وغيرهم.

والبذل الذاتي للدين سيظل هو المورد الأساسي الذي تنفق منه الدعوة، وقد تبتكر الدعوة أساليب (سنتحدث عنها) في تحصيل المال الكافي للإنفاق على أوجه النشاط الدعوي المختلفة، وقد يكون لها أملاك خاصة تدر عليها أرباحا، ولكن العطاء الذي يمنحه الأفراد لدينهم يبقى هو الأصل والباقي كله فرع.

فالدعوة تحتاج أفرادا كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وأضرابهم من أثرياء الصحابة ممن أوقفوا أموالهم وأَعْتُدَهُمْ في سبيل الله، فلم يقدموا على البذل للدين زوجا ولا ولدا.

وذلك لأن الأصل أن المسلمين ما وجدوا إلى ليكون الإسلام مصدر عزهم في هذه الدنيا، فهم يبذلون في سبيل رفعته ونصرته، ويعلمون أن أي مال ينفق في سبيل الدين فهو في سبيل إعزازهم هم.

ولذلك كثرت النصوص الآمرة بالإنفاق، الداعية إلى البذل، لأن الإنفاق في حد ذاته عبادة مقصودة لكل مسلم، قال تعالى: {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت