الصفحة 89 من 214

وليست العبرة بالكثرة، بل العبرة بفعل النفقة نفسها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (سبق درهم مائة ألف درهم: رجل له درهمان أخذ أحدهما فتصدق به، ورجل له مال كثير فأخذ من عرضه مائة ألف فتصدق بها) . رواه النسائي وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع.

ويغيب عن كثير من الدعاة والغيورين على الصحوة حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) .

فما داوم الناس في إنفاقه على الدعوة - وإن قل - أكثر بركة وأعظم نفعا من الكثير المنقطع، فالله عز وجل إذا أحب عملا من ابن آدم باركه له وأعانه عليه كما قال تعالى: {إن رحمت الله قريب من المحسنين} وكما قال تعالى: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} ، وكما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قال لي: أَنْفق أُنْفق عليك) رواه مسلم في الصحيح.

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا) رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي هريرة أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله بعفو إلا عز أو ما تواضع أحد لله إلا رفعه) رواه مسلم أيضا.

وهذه القلة في المال والإمكانيات ما ينبغي أن تفت من عضد الدعاة وتيأِّسهم من نصرة الله ومعونته، فالعقيدة الصامدة الشامخة مع بذل المستطاع يستجلب معونة الله على حسب موعود الله تبارك وتعالى، كما قال عز وجل: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين} وقال عز وجل: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} ،وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة، وإن الصبر يأتي من الله على قدر البلاء) [1] .

ويمكننا أن نمثل بكرامات معاصرة لإمكانيات قليلة تيسرت للدعاة واستطاعوا بها أن يفتحوا أبواب بلاد وقلوب عباد، ولكننا نمثل بنموذج واضح بين، وهو نموذج الصحوة الإسلامية في العالم كله، حيث تقل الإمكانيات الدعوية أو تنعدم، بل وتحارب من كل قوى الاستكبار العالمي،

(1) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 324) : رواه البزار وفيه صادق بن عمار، قال البخاري: لا يتابع على حديثه وبقيه رجاله رجال الصحيح. أهـ وقد صححه الشيخ الألباني في الصحيحة رقم 1664. والمعونة القوت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت