فهرس الكتاب
وقد كان المسجد هو عماد المجتمع المسلم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يشير إلى هذا المعنى ابتداء النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد كأول مشروع عند هجرته إلى المدينة.
وظل المسجد يحتل هذه المكانة في كل العصور الإسلامية، حتى في عصور الضعف والهزيمة، كان المسجد هو ملتقى المسلمين، ومحل ندواتهم واجتماعاتهم ودروسهم.
بل المتأمل في العمارة الإسلامية في كل بقاع العالم الإسلامية - كالعمارة الأندلسية والمملوكية والعباسية - يجدها تجعل المسجد محور كل مشروع، فالمدرسة كان المسجد مركزها، وقصر الخليفة أو الأمير كان لا بد أن يحوي مسجدا، بل وكل مدينة تخط: كان المسجد هو نقطة الارتكاز، ومحور طرقات المدينة الجديدة.
والحقيقة أن احتلال المسجد لهذه المكانة في المجتمع المسلم مأتاه من حرمته العظيمة في قلوب المسلمين، وتعظيمهم لأمره، وكل ذلك لكثرة ما ورد من النصوص في شأن عمارة المساجد.
ومعنى عمارة المسجد بناؤه وإصلاح شأنه بتنظيفه وتطييبه، والمقصود الأعظم من عمارته الصلاة فيه وامتلاؤه بالمصلين للفرائض والنوافل، وتعظيم حرمته قولا وفعلا، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يفعل إذا جاء من سفر أن يذهب إلى المسجد ويصلى ركعتين.
وقد استعادت المساجد مكانتها عندما أخذت الصحوة الإسلامية تشق طريقها في هذا العصر، فكانت آية صدق ودليل طهارة، وعلامة على أنها سلكت الطريق الصحيحة.
وعندما مالت بعض الحركات الإسلامية في طرائقها التربوية عن محورية المسجد صرخ فيهم الراشد قائلا: كلا، بل علينا أن نوازن ولا نجعل اللبث في المساجد ضامرا، فإن خريج المسجد غالبا ما يكون عاقلا رزنا مترويا، ذائقا لثمرات الإيمان، ذاتي الاندفاع، ليس بالمطيع فقط، ولكنه المبتكر، ولا السائر بحركة مسيرة أصحابه فحسب، ولكنه المتقدم الحادي.
كأننا أيها الاخوة نلمس تكبرا على المسجد عند بعض جدد المصلين المثقفين والجامعيين، يدخلونه وقت الفرض فقط، ويأنسون بالمجالس خارجه، وربما كانت هذه الظاهرة ناتجة عن الدعاية العرفية التي تعلي مكانة الجامعة في تطوير المجتمع، فتأخذ طالبها وخريجها نشوة جاهلية تختلط بصلاته، ومن اللائق أن نرده إلى قيمته الحقيقية، وأن ندله على طريق البداية الإيمانية الذي لابد وأن يمر بالمسجد طويلا.